المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود عبدالعدل إسماعيل Headshot

الجزء الثاني: رحلتي إلى "الجحيم" في غياهب أمن الدولة.. "شبح الكهرباء"

تم النشر: تم التحديث:

هذه الرحلة لم يمسها أي طيف من خيال الكاتب..

"يا مرحب بيك في الجحيم"، قالها لي هذا العسكري الصعيدي، ثم أخذني من يدي وأدخلني إلى غرفة، ثم قيّد إحدى يدي في مكتب بها، وشد وثاق "الغمامة" على عيني، خرج، ثم دخل آخر.. فعل شيئاً لم أفهمه وقتها، لقد بدأ "الصلاة" بصوتٍ مسموعٍ كان يردد التسبيح في الركوع والسجود ثم التشهد والسلام، حقيقة لقد انتابتني بعض الطمأنينة، شعرت أن الجحيم قد يكون به مَن يعرف الله فيخفف عني، بينما أنا أروي الآن وبعدما لامست أرواحهم الخبيثة، أتمنى أن أعود إلى هذا المشهد فأمنعه من الصلاة، كما في الفيلم القديم هذا، وأقول له: "لا نسيت السبحة يا عم الشيخ".

خرج هذا الآخر وتأكدت أن المكان خالٍ، وبيدي المتحررة حركت الغمامة من على عيني، وكأن أحدهم كان يكتم على أنفاس روحي، فأزلت يديه عني بصعوبة، لقد رأيت ورأت روحي النور مرة أخرى!


المشهد الأول:

أتى الرهط من شياطين التعذيب وقادته إلى الغرفة، وانطلقت صافرة الصراع، صراع بين حق ضعيف أسير وباطل غاشم متملك، كصراع غصن الزيتون الأخضر أمام جرافات الاحتلال الطاغية.

فكوا قيدي من المكتب وأوقفوني في وسط الغرفة، أصبحت كفارسٍ وحيد في وسط بضعة وحوش، غير أنه فارس بلا سيف، ومقيد من يديه وقدميه، والأسوأ أنه معصوبة عيناه، لمن لا يدرك.. هذا هو "الأسر"!

بدأ الصراع بركلة قوية من أحدهم في بطني، تأوّهت بصوت مكتوم، ثم لفظت بصوت واثق: "الله أكبر"، ثم توالت الضربات المؤلمة وأنا أتألم وأردد بثقة: "الله أكبر"، "أستغفر الله"، "يا رب"، وكانت أول "آه" مني بصوت مرتفع عندما نزل أحدهم على رأسي بمطرقة مرات متتالية سريعة لمدة ما يقارب الدقيقة، لقد سقطت على الأرض، كانت بمثابة ضربة قوية أخلت باتزان الفارس فسقط، فقال لي أحدهم مستهزئاً ومقلداً لصناديد قريش: "قول أحد أحد"، قلت: "لا إله إلا الله"، وظللت أرددها، وأردد بصوت أعلى وغاضب مزيداً من ذكر الله، وكعادة الشياطين يستشيطون غضباً وتنفر نفوسهم من ذكر الله.

أتى أحدهم وهمس في أذني كشبح تهديد "هنشوف هتفضل راجل للآخر ولا لأ"، أجبت بصوت هادئ: "الله المستعان".. على ما أتذكر.

المشهد الثاني:

سألني أحدهم مستنكراً: "ثورة دي ولا انقلاب؟"، هذا السؤال كان بمثابة مفترق طرق لي، ووقت مستقطع لعقلي حتى يضع خطته، أصبح التحقيق بداخل نفسي، كيف ستخوض هذا الصراع وكيف ستسير سفينتك في أمواج الجحيم هذا، أأستخدم المناورة وأرفع راية الهزيمة كي أرضي غرور عصبة المرضى هؤلاء، أم أرتدي قلادة الشجاعة المميتة ربما، فأنفخ ببوق الصدمة في ضوضاء الباطل هذه؟!.. لقد هزم عقلي روحي واختار لي المناورة.

"ثورة" كانت إجابتي، فالإجابة الأخرى معروفٌ ما بعدها، فقال لي متهكماً: "لأ انقلاب وعارفين إنه انقلاب وعاجبنا!"

مشهد 3:

من آخر الغرفة وفي ركن يجلس فيه -أظنه- إبليسهم، صرخ بصوت وحشي: "هاتوا الكرسي والجهاز".

عقلي حتى تلك اللحظة لم يقتنع تمام اليقين أن هناك تعذيباً فعلياً، سوى جولات الضرب الجسدي المؤلمة هذه، أجلسوني على الكرسي هذا وكتفوني تكتيفاً وبدأ أحدهم في توصيل أسلاك في أصابع قدمي، في أقل من لحظة أتى اليقين الذي كسر سيف الشك الخشبي بأنهم يرعبونني ليس أكثر، كان هو "الشبح" الذي رأيته في ظلام عيني، لقد رأيته سابقاً عندما صُعقت كهربائياً، لعلي سأدخل السرداب مرة أخرى، ولا أخفيكم سراً لقد تشبعت كل خلايا قلبي بالخوف، بيد أن الله غلفه بالصبر والهدوء.

فُتحت أبواب الجحيم، ضغط على زر الكهرباء وانطلقت معه صرخات الروح، توقف الزمان وذهبتُ إلى اللامكان وأصبحتُ كآلة حية لا تسمع منها سوى الصرخات المتموجة في قلب صرخة واحدة، توقف عقلي تماماً، وحتى روحي شغلها الألم عن التفكير في أي شيء، لقد هُزمت كل مشاعري، وتذوقت على مكثٍ شربة الألم، من قال إن الموت هو أشد ما يقابل الإنسان، يبدو أنه لم يذهب إلى جحيم التعذيب!

مشهد 4:

سآخذك في ثنايا ذاكرتي وأعود بك إلى بضعة شهور سابقة لهذه اللحظة.. بينما أنا وصاحباي نتهامس فوق سطح منزلنا فجراً، أعلن انتهاء حديثنا هذا الجندي وهو يصرخ "اثبت"، ولحن موسيقى إثارتها صوت سحب أجزاء "تعمير الكلاشينكوف" وارتدادها، اللحظة التالية كانت أقوى حركات لا إرادية قمت بها من قبل، لقد طرت من على البنايات المجاورة لمنزلي، نعم كنت أطير كما في أفلام الحركة التي نشاهدها، كنت أقفز قفزات تصل إلى خمسة أمتار عرضاً وطولاً، إلى أن نجوت، ونجونا.. وكيف لا أنجو وأنا طائرٌ أصابه شباك صياد، وأمامه فرصة للنجاة ويحتاج إلى كل قوته، لقد تفوقت على إمكانيات جسدي، وهل أشد على روح الطائر مثل القيد والحبس!

هذه كانت تأويل رؤياي قبلها بليلةٍ وقد جعلها ربي حقاً، قصصت على صديقي هذه الرؤيا وأشرت له إلى مكان هروبنا عند اقتحام مرتزقة الانقلاب لمنزلنا، ابتسم صاحبي وقال: "الحمد لله أن نجونا، ونجوت أنت خاصة"، ابتسمت ابتسامة ممزوجة بحزنٍ، فأحس بشيء وقال لي: أخبرني بما تكتم، فأكملت له الرؤيا أني بعدها قد اعتقلت وذهبت إلى مكان به غرف متجاورة ولم أسمع منها غير الصرخات والألم.. وقد صدقت الرؤيا كلها!

مشهد 5:

دائماً ما تكون بداية الألم ليست أشده، لكنها أسوأه، لأن الجسد والروح لم ينبت فيهما بعد أي بذرة اعتياد، فقوة العادة إذا نمت أعانت الجسد على التحمل، وإذا بلغت مبلغها قهرت أي قوى مضادة لها، أو كما يقولون.. نصف الألم في الصدمة الأولى!

كان التعذيب متقطعاً، يرون لك الألم والمزيد من الألم ثم يتركونك حتى تشعر براحة زواله، فحتى تتذوق المعنى لا بد أن ترى الضد، ويبتزونك بدقيقة الراحة هذه كي تعطيهم ما يريدون من كذب، وفي أثنائها ينهالون عليك بالأسئلة فيستغلون إجهاد عقلك نتيجة ألم جسدك الذي يدفعه إلى الاستسلام، غير أن هناك من يقيم جدار عقلك المنقض.. الإيمان بالله وعدل القضية الساكن في روحك، فحقاً: لولا الإيمان لجُنّت العقول من شدة البلاء!

في منتصف التعذيب وريقي يجف تماماً فيسقونني كل فترة شربة ماء غصباً حتى أستطيع النطق، بت متلعثماً أنطق الكلمة متقطعة، سألني أحدهم سؤالاً، وكان وقتها يحقق معي ويصارع فكري أكثر من خمسة أظن، قال لي: "بتقولوا إيه في المسيرات؟"، عمّ الهدوء وفكرت ماذا أقول أو بماذا أهتف أم جحافل الباطل وفي قلب قصره، لم أختر حقاً، غير أنني وجدتني أردد بصوت متقطع جداً أشبه إلى ميتٍ وهو يلفظ وصيته الأخيرة، وإن أردت أن ترى المشهد كما هو فأنطقها بحروف متقطعة، هتفت: "غني الحرية دي أجمل غنوة ف الوجود.. شمس الحرية اتولدت ولا يمكن تموت، فارس عقليته مقاومة وحياته الصمود".

ثم أخذت نَفَسي وكان الهدوء التام يكسو المشهد حتى الشياطين يستمعون بتمعن، وأردفت: "وف كل مكان في بلادي سامع صوت شهيد.. بحياته بيكتب غنوة للفجر الجديد" انتهيت، ولأول مرة تغلبني العَبرة وترسم الدمعة الخشوع على خدي، كانت لحظات راحة منسوجة بخيط الثورة ومطرزة بجمال الإيمان، عم الصمت هُنيهة.. ثم انطلق التعذيب مرة أخرى!


مشهد 6:

طال الليل وكان أطول ليل زارني في حياتي، وكثرت الأسئلة والمشاهد التي لم أنسَها ولعلي أعود إليها في بقية الرحلة، انتهت الجولة هذه قبيل الفجر، ونقلوني إلى غرفة أخرى وصليت الفجر -متيمما-وأنا جالس، وظللت مستيقظاً مترقباً أصارع سلطان النوم، حتى أتاني هذا الصوت الإلهي الجميل، مع شروق الشمس وعلى شجرة كبيرة عتيقة تطل عليها غرفتي، صوت عصافير كثيرة تعزف لحن الحرية والراحة بزقزقتها الكثيفة والمستمرة! لا أنسى ابتسامتي وقتها وقشعريرة المعية التي هزت روحي فأزالت عنها ألم الإعياء والوحشة، لم أبالغ حين أقول إنني لم أحظَ بنومة على مثل هذا الصوت وانعكاسه على روحي المجهدة من قبل.


تلك بعض من أنباء ما قد رأيت صدقاً مما لا يعلمه أكثر الناس.. والبعض الآخر أستكمله في مقال آخر، أنتقل فيه إلى محطة أخرى -قد تكون الأخيرة- في "رحلتي إلى الجحيم"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.