المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود وليد  Headshot

البورصة الفنية عبر الإسلام

تم النشر: تم التحديث:

يتجه الفن في هذه الأيام نحو إنتاج الأغاني التي نسميها بالدينية؛ حيث تتخللها كلمات تمدح وتذكر سيرة الأنبياء والصحابة والتابعين، وأخرى تتكلم عن العلاقة بين الإنسان والحب المرتبط بالله، ثم الذنوب والمغفرة ومفاهيم الحب الشرعي بين الرجل والمرأة، أما إنتاجات شهر رمضان فلها النصيب الأكبر في منظومة الأعمال؛ إذ يخطط لها طويلاً، ثم تصدر الألبومات بطريقة إبداعية، وهذا ما نفخر به عندما لا يتناقض مع الهدف الأسمى الذي يتجسد بتوصيل الرسائل الإسلامية الهادفة، لكن الأزمة تكمن في خطورة تحول الفن الهادف إلى مرحلة الانقراض غير الرجعي، وسط غياب مشاريع هجومية لتعزيز الغناء الإسلامي، والدفاع المضاد لموجات الإلحاد والسطحية النمطية في العقول.

التجارة الغنائية تستمر بعطائها لأهداف تتضمن الشهرة وزيادة الجمهور وحصد أعلى نسب من الأموال، وإقبال الناس نحو طلب هذا النوع الجديد من الغناء يزداد بمعدلات حركية مرتفعة، فهل لنيات الفنانين جزء من الولاء لربهم ومعتقداتهم الدينية، أم أن هذه الأعمال هي لأهداف ربحية بحتة لا ترتقي أكثر من تغذية المصلحة الشخصية؟

هذا ما لا نعرفه وليس من صلاحياتنا، لكن الإشكالية الفقهية تكمن في اعتبار بعض الفنانين إصدار الأغاني الدينية كجزء من الزكاة على أموالهم، كما قد صرح به الفنان المصري "هشام عباس" في ظل وجود تناقض مطلق بين أرشيفه الفني الموصوف بدرجة عظيمة من التعري والكلمات المستفزة للذوقيات، وهذا ما يخالف الشريعة الإسلامية؛ لأن هذه الحالة تدفع الفنان لاستخدام الإسلام كطعم ظاهري تحت بنود ضمنية غريبة، فيتحول الجوهر الديني الإصلاحي للنفوس إلى أداة تجارية بعيدة عن المنظور الإسلامي الذي يؤكد الموازنة بين القيم الإسلامية والإنسانية والمشروع الشخصي في الحياة بأرضية لا تهمِّش الفن الهادف، بل تسعى إلى نشره بطرق عصرية مقنعة.

الميل الحديث يمضي نحو الأغاني الصوفية المتمثلة بحب الله والتجرد من الأنا لأقصى درجة، والنقطة التي تحسب للفنانين المسلمين هي مقدار حبهم الكبير للرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ يظهر ذلك في مواقفهم الموحدة عند شن الهجمات الإلحادية وعمليات تشويه النبي المكرم بالرسم الكاريكاتيري والكلام المنحرف، أي مهما كانت الفوارق كبيرة بين سلوكياتهم ودرجة إيمانهم، إلا أن الفطرة الإسلامية التي خلقوا عليها تدعوهم لنصرة رموزهم، ويظهر ذلك جلياً عند الفنانين أصحاب الإحساس العالي كالفنان اللبناني "وائل جسار"، الذي أبدع بتوصيل قصص النبي العالمي محمد صلى الله عليه وسلم، والصحابة رضي الله عنهم، بأساليب رصينة ومؤثرة من حيث السيناريو والألحان والصورة.

إذا حلَّلنا التوجه الأخير والعملية التكاملية بين الفنان والجمهور، فذلك سيكشف مدى تعطش ذوقيات الجمهور إلى نوع جديد من الفن الديني بغض النظر عن أبعاده، وهذا ما يدل على وجود أزمة فنية دينية في العالم الإسلامي عموماً، والعربي خصوصاً، وأسبابها تكمن في ضعف التمويل المالي، وغياب دعم المؤسسات الفنية للمواهب الغنائية، وتخاذل المؤسسات التجارية ورجال الأعمال عن إنتاج أعمال غنائية محترفة ذات كلمات وألحان حديثة تؤثر في المشاهد والسامع وتقنعه بضرورة تطوير هذا الفن، إضافةً لمشكلة عدم وجود مؤسسات فنية هادفة ترعى الشخصيات الغنائية وتبث العمل التجاري المحكم فتسهم برفع الثقافة المجتمعية بحيوية واستمرارية، وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة تشفيف كسل الفنانين الجدد الذين ما زالوا بانتظار الفرصة بالظهور بدلاً من خلقها وغيابهم عن الساحة الموسيقية الحديثة.

الفن الإنساني يعيش أسوأ أيامه في ظل اهتزاز ثقة الفضائيات والمؤسسات التجارية في تبني المواهب الغنائية المتزنة، وفي الجانب الآخر ضعف الثقافة المجتمعية وابتعادها عن مسؤوليتها بدعم الفن، والموقف السلبي للمؤسسات الدينية التي لا تنفك من أساليبها المتحجرة بنشر القيم الإسلامية وتكريهها للغناء الهادف، والنتيجة هدر الطاقات والإمكانيات الفنية، بل إجبارها على سلك طرق بديلة خطيرة تتنافى مع المبادئ الإسلامية، ثم الانتقال بردة فعل سلبية نحو الأغاني الهزلية ما قد يفاجئنا بتحول أحد قراء القرآن الكريم إلى مسار الغناء العاطفي، كما هو حال نجم برنامج Arab Idol الفنان العراقي "عمار الكوفي".

ولكي نكون منصفين لبعض المؤسسات الرائدة في الفن الإسلامي لا بد أن نعرض تجربة شركة "Awakening Records" وتحملها مسؤولية تسويق الأغنية الهادفة بإعداد الفنانين المحترفين أمثال "حمزة نمرة، وسامي يوسف، ومسعود كورتس، وماهر زين، وحمود الخضر"، وإحياء الفن الإسلامي الذي يوازن بين الرسالة الإصلاحية على الأرض والحق الشخصي الشرعي في إدارة الأعمال، لكن الأزمة للأسف ما زالت قائمة وتحتاج إلى إنقاذ حقيقي للقيم الإنسانية الإسلامية، فتبدأ بمشروع تبني مواهب غنائية والعمل الجدي على تطوير مهاراتها ورفع ثقافتها، ثم توعية المجتمعات بضرورة وجود الفن التربوي والإصلاحي، وصولاً إلى تثقيف الفنانين الشباب بأهمية تسلم زمام المبادرة وتغيير المفاهيم المغلوطة، واحترام العقول والذوقيات والتوجهات عن طريق تقديم مشاريع معتدلة من حيث المضمون الموضوعي والتوليف الموسيقي والتصوير الإبداعي والتسويق التجاري مع القرار الحاسم بنشر الموسيقى العالمية المرنة مع ذوقيات الجماهير المتجددة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.