المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود وليد  Headshot

السلطة الرابعة والمجتمع العراقي

تم النشر: تم التحديث:

عندما يستفيد الفرد مما تقدم له الوسائل الإعلامية فإنه يصبح مواطنا ً صالحا ً يحترم كل من حوله فينصلح حال المجتمع ، وترفرف العبارات الرنانة "الإعلام هو صوت لمن لا صوت له " ،،الإعلام هو صوت الشعب".. لنعترف بثقل طموحات هذه الكلمات حينما تصبح واقعاً صريحاً يتجسد في المجتمع العراقي الذي أمسى فقيراً للصوت العادل الذي ينطق بحقوقه المدنية المشروعة، والسؤال هنا.. هل نحن جزء من منظومة التفريغ هذه؟، وهل كنا في زمنٍ ما أطفالا ً صغاراً نتشهى تسويق إنسانيتنا على حساب ما تعلمناه وتربينا عليه من الإعلام المسلوب؟.

هنا في كوكب العراق العظيم حيث لا مكان للإعلام الناضج، ولا حديث سوى عن العنف الطائفي والاقتتال الداخلي والتنافر الشعبي والاختراق المجتمعي، والصراع السياسي، فالإعلام باعتباره القوة الخارقة التي تغزو العالم المعاصر وتؤثر على مجريات الحياة الاجتماعية واختلافات الشعوب سلبا وإيجابا، وتحرك أهداب الحضارات المجتمعية بما يناسب قضايا ذلك الإعلام واتجاهاته، ونحن الآن بصدد تحديد أوجه هذا الإعلام وعلاقته بتقارب أو تنافر مكونات المجتمع العراقي البالغ ٣٢.٥ مليون نسمة تقريبا ً، و دوره في نشر أو هدم مفاهيم التعايش السلمي بين مكونات المجتمع وبث مبادئ الحرية الثقافية و الدينية التي طغى عليها غبار الزمن وصارت ذكريات عتيقة ربما لن تعود.

انطلاقا من تعريف وسائل الإعلام بأقطابها المرئية والمسموعة والمقروءة فتعد مصدرا مهما من مصادر التوجيه والتثقيف في أي مجتمع، حيث إنها ذات تأثير كببر في جماهير المتلقين المتباينين في اهتماماتهم وتوجهاتهم ومستوياتهم الفكرية والأكاديمية والاجتماعية ، وهذا ما يكسبها أهميتها في عملية بناء المجتمعات، ويمكن الزعم بأنها إحدى العناصر الأساسية المساهمة بعملية تشكيل ملامح المجتمعات، افتراضا ً على ذلك إذا كان دور وسائل الإعلام في أي بيئة مجتمعية يتحدد بالأثر الذي تستطيع أن تحدثه فيها، فمن الممكن أن نقسم وسائل الإعلام على أساس تأثيرها في المجتمع الى قسمين: قسم مؤثر وفاعل، و قسم غير مؤثر وغير فاعل قد يكون سلبيا أو إيجابيا... وصولا ً إلى الإيمان بفكرة توثق العلاقة بين الفعل الثقافي والنشاط الإعلامي عبر العصور الزمنية، حيث أخذ الترابط يتعاظم بينهما بعد التطور العلمي والتقني والمعلوماتي وثورة العولمة وتداخل العلاقات والثقافات المتعددة، فاعتبار العالم كرة بللورية صغيرة.

لكي نقارن التعايش السلمي بين المكونات المجتمعية في الماضي والحاضر لا بُد وأن نعود قليلا لأحداث عام ٢٠٠٣ المرتبطة بالاحتلال الأمريكي للعراق ودوره في تلغيم المؤسسات الإعلامية التابعة للحكومة العراقية، وهنا نستعرض نموذجا ً بالغ الأهمية، حيث كشفت وثيقة سرية مفادها أن وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" قد خططت قبل غزو العراق في آذار / مارس - ٢٠٠٣ لإنشاء فريق الفعل الإعلامي السريع المسمى بــ ( RRMT ) ، و ذلك للتأكد من التحكم بوسائل الإعلام الرئيسية مع توفير وجوه عراقية تعبر عن مجهوداتها ، اضافة لذلك كشفت وكالة " ARBIC " الأمريكية أن الميزانية المخصصة لــ "حملة معلومات استراتيجية" بلغت ٥١٠٠٠٠٠٠ دولار، مقسمة على خبراء ومستشارين أمريكيين وعراقيين تكون فيها مهمة العراقيين تدريب المذيعين للتركيز على الأخبار المتعلقة بتعثر التفاوضات السياسية، وإنتاج الفواصل الإعلانية والأفلام الوثائقية التي تعرض الاختلافات بين المكونات والمحاصصات على الأراضي المتنازع عليها، ثم تمويل البحوث الإعلامية التي تخص التنوع الحاصل في المجتمع العراقي للاستفادة منها مستقبلا في تفكيك النسيج الاجتماعي، أما في الجانب الصحافي فحديثه طويل لكن من الضروري شرحه بأرقام كان لأمريكا نصيب كبير بتحصيل أرواح الصحافيين المنتقدين للسياسية الأمريكية و الصحافيين الاستقصائيين عن مخططات الاحتلال في اختراق المجتمع العراقي والترويج الطائفي بين مكوناته ونذكر منها، عام ٢٠٠٣ تشير الإحصائيات لمقتل ٢٤٩ صحافيا عراقيا و أجنبيا واختطاف ٦٤ صحافيا ومساعدا إعلاميا حسب ما ذكره "مرصد الحريات الصحافية " ، أما في عام ٢٠٠٧ فتذكر منظمة "مراسلون بلا حدود" مقتل ٢٣٢ صحافيا وتحمل المنظمة المسؤولية على عاتق أمريكا، بالتالي تناقض الأخيرة الديمقراطية وتحتكرها لتنفيذ مشاريعها فتخالف بذلك الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام ١٩٤٨ رقم ( ١٩ ) و مفاده "حق كل شخص في حرية الرأي والتعبير"، لكن من يستطيع مواجهة أمريكا سيدة العالم و من ذاك الجريء الذي يمتلك الحق بمقاضاتها، فتشارك بتشريع القوانين حتى تخترقها إن تعارضت مع مصالحها.

قد يتهمني البعض بأنني أفكر بنظرية المؤامرة مطالبا بحقوق المظلوم غير المنتهية فأضع كل العوامل المثيرة في تفكيك المجتمع العراقي على البلدان الغربية غافلا العوامل المحلية الأخرى، فهنا سأشفف العوامل الأخرى، وأذكر منها دور الإعلام الحكومي العراقي في تغطيته للقضايا وأسره ضمن رزمة من الأجندة التابعة لبعض السياسيين في الحكومة علاوة أن القنوات التابعة للحكومة في جميع المحافظات العراقية تعمل تحت طاولة الفئة المسيطرة على مجلس المحافظة، فتقوم بتغطية قضاياها الضيقة على حساب الفئات الأخرى دونما متابع أو مراقب بالتالي ضبابية العلاقات الشعبية في المجتمع، وانهياره بطريقة سريعة، علما أن هذا الإعلام لا يهتم بما يعرضه للناس بمستوياتهم وميولهم ولا ينتقي برامجه، بالتالي ربما يولد جيل خطير الأفق، حيث أدلت الإحصائيات الأخيرة التي أجريت في إسبانيا أن ٣٩ ٪ من الأحداث المنحرفين قد اقتبسوا أفكار العنف من مشاهدة الأفلام والمسلسلات و البرامج العدوانية، وهذا ما نشاهده اليوم في القنوات العراقية التابعة وغير التابعة للحكومة العراقية.

أما الصحافة التي لا يسمع لها صدى مهما صرخت، فمعضلتها لا تنتهي رجوعا إلى الاختراق الأمريكي لوسائل الإعلام العراقية عام ٢٠٠٣ ، و مرورا بالتضييق الكبير على الصحفيين وانتزاع آرائهم بالتهديد والترهيب، ذهابا لعدم صرف مبالغ مالية للمكونات المجتمعية من شأنها تكوين مؤسسات صحفية رصينة تنشر ثقافتها وطقوسها ونشاطاتها بشكل يسمح بالقراءة والتعرف على الآخرين فقبولهم، وفي الجانب الآخر غياب دعم المواهب الإعلامية التي تسعى لتقديم منتجات إعلامية تنشر السلام والوئام بين مكونات المجتمع عبر فواصلها التوعوية وأفلامها الوثائقية ومؤتمراتها وندواتها وورشات عملها الإعلامية، اضافة لذلك عدم صرفها لمبالغ مالية وتوفير معدات ومستلزمات إعلامية و تقسيمها على المكونات المختلفة ليتسنى لهم تأسيس قنوات فضائية وتكوين قاعدة جماهيرية سلمية تقدم برامج إعلامية تحث على التعايش السلمي وتؤكد على التمسك بالمبادئ المجتمعية والعيش بلا خلاف مع الجميع، ذهابا إلى حرية الخطابات المؤججة للنزعات الطائفية فلا يوجد لها سيطرة تحدد صلاحيات الساسة وبعض رجال الدين بأقوالهم التي يصرحون بها أمام الشاشات المحلية والفضائية، ثم سأتجرأ هنا لأنتقد كسل بعض مكونات المجتمع وخذلانها لعملية البناء السلمي وتوقفها بل عدم اكتراثها في الوقت الحالي لمهمة نشر القيم الإنسانية والحياتية بوسائل إعلامية إبداعية، وتأسيسها لمنظمات صحافية احترافية تنتج صحافيين ودور نشر حديثة تنتح هي الأخرى كتابا مخضرمين يساهمون في توعية المجتمع نحو احترام الأخر وقبوله باختلافه.

يقول تقرير صدر عن اليونسكو: "إن إدخال وسائل إعلام جديدة، وخاصة التلفزيون في المجتمعات التقليدية، أدى إلى زعزعة عادات ترجع الى مئات السنين"،، وهنا يأتي دور الإعلام باعتباره سلاحا ذا حدين إن أُحسن استخدامه وتوجيهه كان ركيزة تطور يجد فيه أفراد المجتمع ينبوع المعارف ومصدر الإرشاد والتوعية السليمة، فيساهم هذا السلاح المفيد في تربية المجتمع وتقارب مكوناته وتلاحم أواصره بذلك يتحقق الهدف المنشود و هو الانتماء إلى المجتمع فإصلاحه، أما السلاح الثاني المتحيز الذي يعتمد على الحقائق المجردة ويجنح إلى الدعاية لمذهب سياسي أو خط معين عن طريق التلفيق والتزوير سرعان ما يفقد ثقة الجماهير، وحتى إذا ما تضمن بعض المعلومات الصحيحة فإن الجماهير تنظر إليها بعين الريبة والشك والحذر.

الإعلام العراقي ما زال مراهقا وعليه أن يكبر ليتخلص من أزماته الاجتماعية، فيتعامل مع القضايا الإنسانية باستقلالية، ويحترم الاختلافات ويحافظ عليها ويدعمها لتنتشر بمرونة منظمة. ومهمة الإصلاح تبدأ بالتسليم لقدسية الإعلام الذي أصبح في العصر الحديث قضية مطروحة على بساط النقاش لعبتها أن يتم تحليل الجانب الثقافي، ثم تربية المجتمع و توعيته إعلاميا ليبحث عن القواسم المشتركة ويبدأ بمشروع الحوار الإنساني المثمر بين الثقافات والحضارات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.