المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود الجبوري Headshot

"تطوَّع معنا"

تم النشر: تم التحديث:

في أحد ليالي البصرة الحارة جداً قبل عام تقريباً، أرقٌ كالعادة، وما زالت نشرة أخبار الحادية عشرة تملأ رأسي بمآسي العراق؛ صور الشهداء، ملامح المدن المهدمة، صرخات المظلومين، ووجوه معاتِبة من ملايين النازحين، ما زالت طفلة الفلوجة الباكية تلاحقني إلى مضجعي، طبعتْ صورتها تحت الجفون وفي نور الشمس، موناليزا الحزن، حين كتمت حزنها، لكن خانها الدمع النازل، لتفضح عارنا جميعاً.

لا يوجد سبيل للنوم، أخذتُ الهاتف، نعود للأخبار مرة أخرى، تلاحقنا من على شاشة التلفاز، في صفحات التواصل الاجتماعي، بالفراش، على الهاتف، تنتقل أخبار الحزن مع الريح، الجو حزين وحارٌّ وقاسٍ، آهٍ كم هو قاسٍ على ظهور النازحين وخيمهم التي تكاد تكون لا شيء أمام تلك الشمس الحارقة! حتى المواسم تنقل لنا الحزن، البرد القارس يؤلمهم ونحن أمام المدافئ نتنعم؛ الجو الحار يقتلهم ويسرق عرقهم، ونحن ينفخ علينا مكيف الهواء النسيم البارد ونتذمر إذا ما اضطُررنا إلى الخروج.

رجعت من قراءة مذكراتي التي كتبتها على الهاتف والتي أعيد قراءتها آلاف المرات، كلمات تنزف، لماذا أعيد قراءتها؟! لا أعلم، أدمْتُ على الحزن وعلى نزيف الكلمات، عدت إلى الفيسبوك، الكثير من الأخبار والمنشورات، الكثير من الصور والفيديوهات، والكثير والكثير من التناحر والشتائم، مررت سريعاً عابراً كل ذلك، استوقفني قليلاً منشورٌ لأحد أصدقائي الشباب، "من يريد أن يكون ضمن عمل خيري تطوعي للنازحين يكتب اسمه هنا"، وقفت قليلاً ثم عبرت كالعادة في تصفُّح سريع.

كلمة "النازحين" تطرق على سندان عقلي، رجعت إلى المنشور، ومن دون تردد كتبت: "أنا معكم يا صديقي، إذاً هو مشروع إفطار مع النازحين في مخيم جمجمال بالسليمانية".

استمر الأرق، لكن هذه المرة كان أشد، كيف سأقف أمام كل تلك الوجوه المعاتِبة؟! كيف سيكون جوابي لو أن أحد الأطفال قال لي: لماذا تركتمونا؟ كيف إذا رأيت هناك موناليزا باكية أخرى من أطفال الموصل أو سنجار أو تلعفر؟! كنت خائفاً ولا أخفيكم قد فكرت في التبرع ببعض المال والانسحاب من المواجهة، أراهم الطرف الأقوى وأنا الضعيف.

استجمعتُ قواي، وقلت: لم لا! أن أتحدى نفسي أولاً وأكون هناك، عدت إلى السليمانية في العشر الأواخر من رمضان، ذهبت مع أحد الأصدقاء على الموعد المقرر في سيارتي، حينها تجمعنا وقد حملت سيارتي وباقي السيارات ما يكفي لإفطار جميع من في المخيم ونحن معهم ويزيد، إذاً سنشاركهم يومهم، دفعة من الطاقة مع رؤية همة الشباب وهم يتسابقون للترتيب والمساعدة، نعم إنهم موجودون، إنهم صناع الأمل.

وصلنا إلى المخيم، كان هناك ثلة من الشباب القائمين على العمل يعرفون ما يفعلون وعلى مستوى عالٍ من الترتيب والتنظيم، ألاحظ أن اسم فريقهم التطوعي "تطوع معنا". نعم، بهذه البساطة والجمال: تطوعْ معنا وكن جزءاً من إسعاد الناس "ارجع إلى إنسانيتك"، وكأنها كانت رسالة لي ولكل الناس.

التبرع بالمال شيء جيد، ولكن الميدان هو العمل الحقيقي، وهؤلاء في ميدان العمل الحقيقي بهمتهم، والتزامهم، وحيويتهم، وتعاملهم الراقي مع الناس والأطفال أعطاني شحنة قوة أكبر، لم يزل لدينا من لا يترك اليأس يتسلل إلى قلبه ويخاف من المواجهة.

جعلوا كل من في المخيم يفرح، فعاليات ونشاطات جميلة ومنظمة، خدمات ولعب مع الأطفال، هؤلاء الشباب أعادوا لي شخصياً الأمل في جيل الشباب وقد كنت أظنّ أن أغلب الشباب ضائع، أعترف اليوم بأني كنت مخطئاً، الشباب يحتاج فقط إلى التوجيه والأخذ باليد أو قد يكونون هم الموجِّه والقادة للأكبر منهم سنّاً.

شباب "تطوّع معنا" جيل صاعد يعمل بروحية عالية مع الفريق، لا يستنكف ولا يكل ولا يمل من العمل من أجل الآخرين، تاركين ترف الحياة ومغرياتها.

مرَّ عام كامل على هؤلاء الشباب، لديهم عدة فرق في أكثر من محافظة، فيهم الشباب من كل الطوائف والديانات، يعملون كخلايا النحل في خدمة أهلهم، همهم الوحيد إسعاد الناس.

وهم يحتفلون بسنة تأسيسهم الأولى مع أكثر من 380 فعالية في عام واحد، إن من حق العراق أن يفخر بهم، شباب جمعتهم الإنسانية، تناسوا كل شيء، وضعوا هدفاً سامياً وساروا لتحقيقه، لم توقفهم خطورة الموصل في أيام التحرير، تراهم يصلون إلى كل مكان مع الكثير من المنظمات والفرق الأخرى التي لا تقل شأناً عنهم، فالكل همهم مساعدة أهلهم، هؤلاء جميعاً هم روح هذه الأرض التي تمرض ولا تموت.

اليوم قد تؤرقني صور الحزن على وجوه الهاربين من جحيم الحرب، لكن على الأقل أعلم أن هناك من الشباب الذين نذروا انفسهم وفتحوا لهم القلوب والأيادي لاستقبالهم، كلنا يجب أن نكون كهؤلاء؛ نتعلم منهم، نساعدهم، نقف معهم، إنهم يمثلون العراق المصغَّر المتآخي الذي يجمع الطوائف على الحب والرحمة والإنسانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.