المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود الجبوري Headshot

أذكياء ولكن!

تم النشر: تم التحديث:

أقول لصديقي دائماً بأن العراقيين أذكياء!! هذا بعد أن نرى أي إنجاز علمي أو مساهمة فكرية عراقية أو حتى مسابقةٍ ما..
لكن يجيبني صاحبي بنوع من التهكم، صحيح إنهم أذكياء إلا في الانتخابات!!

نعم كلانا محق!! فالكثير من الإنجازات العلمية وبراءات الاختراع والمشاريع البحثية والعملية يشتهر بها العراقيون على الرغم من قلة الموارد ومستوى التعليم المتدهور في العراق فإن العقول العراقية ما زالت منتجة متفوقة في كثير من القطاعات داخل وخارج العراق، إلا أن هذه الطاقات تستثمر في الغالب في بلدان المهجر بعد أن اضطرت هذه العقول إلى تجرع مرارة الغربة في مختلف دول العالم.

مع كل هذا إلا أننا كشعب فشلنا في انتخاب حكومة وطنية تأخذ بالبلد إلى بر الأمان وتركز على الخدمات والنهوض بالوطن من خلال استثمار الموارد المادية والبشرية الغني بها العراق، يعود ذلك إلى أن العملية السياسية بنيت على أساس خاطئ منذ البداية فقد بنيت على أساس المكونات.

المكونات الرئيسية في العراق السنة والشيعة والأكراد لها الحصص الأكبر في مؤسسات الدولة وتسيطر على المشهد في البرلمان، وهناك حصص للمكونات الأخرى كالمكون التركماني والمسيحي والأيزيدي والشبك وتكاد لا تقارن مع حصص المكونات الكبيرة المسيطرة.

بعد عام 2003 دخل الشعب العراقي في أزمة ثقة بين المكونات، مما أدى إلى تخندق كل طائفة حول حزب يمثلها أو عدة أحزاب وقد انعكست على الانتخابات مما أنتج حكومات متعاقبة أُسست على أساس خاطئ، إلا وهو تقسيم المناصب على أساس المكونات وليس على أساس الكفاءة والمهنية، وأغلب هؤلاء غير مؤهلين لقيادة البلد وقد استغل الكثير منهم هذه الثغرة الوطنية للحصول على مكاسب شخصية أثرت سلباً على العلاقة بين أبناء الشعب العراقي ووحدته وانسجامه وعلى الوضع الاقتصادي للبلد، فهناك طبقة قريبة من هذه الأحزاب الماسكة بالسلطة متنعمة بخيرات العراق، إلا أن هناك طبقة مسحوقة تحت خط الفقر، والمشكلة الأكبر أن الطبقات المسحوقة هي الجمهور الانتخابي الأكبر لهذه الأحزاب المتنفذة والمسيطرة على موارد البلد.
أزمة انعدام الثقة بين المكونات سببها الطبقة السياسية الحالية فاستمرار الخلاف الوطني يعني استمرارهم في إدارة دفة البلد بطريقة التقاسم والتنعم بمقدرات وثروة العراق.

هذا التخندق الطائفي أنتج قيادات حزبية رسمت لجمهورها مساراً خاطئاً وأوهمته بمخاوف غير حقيقية في الغالب وعززت انعدام الثقة بين المكونات التي عاشت على أرض الرافدين منذ القدم، أدى هذا الاصطفاف خلف هؤلاء إلى تدهور سريع في كافة مؤسسات الدولة وتفشي الفساد وعدم الكفاءة في إدارة المؤسسات الحيوية، وهذا أثر سلباً على الخدمات المقدمة للمواطن كالماء الصالح والكهرباء الغائبة في أغلب الأوقات، وقد صُرف على القطاع الخدمي الكثير من الأموال، لكن أغلبها ذهب لجيوب وخزائن الفاسدين ولم يكن هناك أي تحسن يذكر، بل وأصبحت بغداد من المدن الأسوأ للعيش في العالم في السنوات الأخيرة كما تذكر الاستبيانات.

علقت الأحزاب الحاكمة فشلها على الوضع الأمني لسنوات كثيرة، لكن هذه الشماعة أصبحت غير مقنعة للشعب العراقي، وأعترف بشكل أو بآخر بأنه فشل بإيجاد أرضية مشتركة ورؤية وطنية لإنقاذ البلد، فالمحاصصة الحزبية وتقسيم المناصب كما الكعكة على المكونات أنتجت فشلاً في كل المؤسسات الحكومية وهو ما بدأ الشارع يستشعره، وأن الاختيار الخاطئ والمتكرر لنفس الوجوه في الانتخابات أدى بالبلد إلى ما آل اليه.

المطالبة بحكومة تكنوقراط بعيدة عن المحاصصة الحزبية، صار مطلباً رئيسياً في كل تظاهرة بعد أن كانت التظاهرات تقتصر على المطالبة بتحسين الواقع الخدمي والمعيشي للمواطن، مما يعتبر حلولاً مؤقتة بسبب هيمنة عصابات الفساد. كثرة الأعلام العراقية في مشهد التظاهرات كانت تنبئ بأنها مختلفة وتنم عن وعي جمعي لتغير المسار الخاطئ الذي سارت عليه العملية السياسية منذ عام 2003 إلى الآن.

لقد فشل رئيس الوزراء الحالي بتلبية مطالب المتظاهرين في إجراء تغيير حقيقي واستبدال وزراء المحاصصة بوزراء تكنوقراط، وهو ما يمكن أن يكون الخطوة الأولى لأن التغير يجب أن يصل إلى كل المديرين التنفيذيين وكبار الموظفين غير المؤهلين والفاسدين الذين جاءوا تحت عباءة الأحزاب، إن سيطرة الأحزاب الكبيرة على المؤسسة التشريعية جعلت رئيس الوزراء الحالي ينصاع إلى الأمر الواقع والذهاب إلى تغيير رمزي غير مؤثر وتهويل إعلامي لا يسمن ولا يغني من جوع.

التظاهرات الأخيرة دقت ناقوس الخطر، فعندما اقتحم المتظاهرون مجلس النواب العراقي ومن ثم مجلس الوزراء رفضاً لمبدأ المحاصصة الحزبية وللمطالبة بحكومة تكنوقراط حقيقية أنذر الجميع بأن المواطن العراقي أدرك أن مسار العملية السياسية في الأعوام المنصرمة خاطئ ولم يوفر أبسط الخدمات للمواطن، بالإضافة إلى الهدر الكبير للثروات فيما مضى.

والآن البلد على شفا حفرة الانهيار الاقتصادي بسبب الهبوط الكبير في أسعار النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي الوحيد لميزانية العراق، مما ينذر بثورة جياع إذا ما فشلت الحكومة بدفع رواتب الموظفين.

الانتخابات القادمة هي الفصل فيما سبق، هل الشعب العراقي يدرك ويستعد للخروج من التخندق الطائفي ويتعاون كل مكون مع الآخر كي يعبر البلد الأزمات الكثيرة والنهوض بالبلد وترميم المؤسسات الحكومية وتفعيلها؟ أم أنه سيفشل مرة أخرى في كسر طوق الخوف من الآخر والاستمرار بنفس الدوامة وإعادة الكرة مرة أخرى وعض أصابع الندم البنفسجية التي انتخبت نفس الوجوه وكررت التجربة المأساوية المريرة للشعب العراقي؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.