المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود الشريف Headshot

#الفشل_علمني| أسرار علاقة محرمة 18+

تم النشر: تم التحديث:

أعرفها منذ اثنتي عشرة سنة تقريبا، واحدة من أقدم العلاقات المحرمة في حياتي، شاهدة على الكثير من الأحداث، ومع ذلك دائما مهددة بالانتهاء، نعم لم أعد أمارسها بشراهة كما في السابق، ولكن بداخلي شيء يريد الاحتفاظ بهذه السيجارة، قد يخبرك السواد الأعظم من الناس بأنهم انجرفوا إلى فعل التدخين الفظيع بفعل أصدقاء السوء، أنا لست منهم، بل كان اختياري.

ورغم أن عمر هذا العلاقة ١٢ عاماً ولكن البدايات أبعد من ذلك بكثير، لم يكن والدي مدخنين ولكن أخي الأكبر كان يدخن وكان يخفي عن أبي، ليس من باب رفض المجتمع للتدخين بل ببساطة من باب احترام الكبير، والكثير من أصدقاء العائلة كانوا يدخنون بدون خجل وفي كل مرة يتسابقون من ينول شرف العزومة على الآخرين، دون ينصح أحد بسوء ما يفعلون.

مرت سنوات.. وكان لدي زميل في المدرسة مدخن شره وكل يوم يأتي للمدرسة ومعه علبة سجائر "كيلوباترا"، قد لا يمر اليوم حتى أقنعه بأن يقلع عن التدخين وأحياناً من شدة الإقناع يحطم علبة سجائره ويلقي بها من شباك الفصل، ولكنه ما أن يصبح غداً ومعه علبة أخرى، للأسف يغويه صديقه، فيعود مرة أخرى، فأبدأ معه من جديد، أعتقد بأن ثلاث سنوات في الثانوية وعشرات العلب المحطمة لم تكن مقنعة ليقلع عن التدخين بل أصبح لا يخلو جيبه من المخدرات، وأصبح صديقه فاعل خير في أن يجلب للأصدقاء "يقضي لهم الكيف"، لم أعلم عنه التجارة ولكنه كان يساعد الأحباب أو يشترى بالنيابة عنهم.

ومع دخول الجامعة أصبح التدخين لديّ عادة، من هذا التوقيت وأنا أتساءل: هل سأستمر في التدخين؟ أم سيأتى عليّ يوم أنهي هذه العلاقة! ولكن دائماً كان قراراً مؤجلاً ومسوفاً لأسباب ودوافع غير محددة، وكنت أتساءل أيضاً ما يجعلني أقلع عنها، هل للأعراف الاجتماعية أم خوف من أضرار التدخين أم لفتوى الدكتور نصر فريد واصل بحرمة التدخين، أم تحدٍّ بأن لا أكون أسيراً للتدخين، فقررت أن أمتنع عن التدخين وبالفعل أقلعت عنه لمدة 3 أشهر تقريباً ثم أعدت الاختبار مرة أخرى بقصد تأكيد النتيجة لمدة تعدت 4 أشهر، ومرة أخرى بعدها بعام حتى أقنعت نفسي بأنها غير مسيطرة عليّ، ويمكننا أن اتركها إن شئت.

للأسف، كل الأسباب والأمثال والدلال التي يمكنك أن تخبرني بها لتشجعني على الإقلاع، تشبعت بها قديماً من كثرة ما تغنيت بها لصديقي ولكنه تشبع سلبي، فلم أتحصن منها، ولكن وقعت فيها، أقلعت عن التدخين مرات عديدة وآخر مرة قررت الإقلاع فيها كانت مع أول شمس عام 2015 استمرت هذه التجربة شهرين على الأقل ووجدت نفسي أتسلل لحجر شيشة على أحد الكافيهات، ثم أصبح حجرين كل بضع أيام ثم أصبح كل يوم، ثم بعض السجائر العابرة في حضرة الأصدقاء، وهنا بدأت أتذكر تاريخي مع هذه العلاقة، وبدأت أتساءل إن كنت أستطيع الإقلاع عنها فعلاً أم أني أوهمت نفسي بهذه القدرة الزائفة على تركها إلى أن وقعت في الادمان، وبدأت أتساءل عن سر تمسكي بها؟ ولماذا أفكر دائما أن أهجرها؟ هل لأنها ستعجل بموتي؟ هل من أجل توفير المال؟ أم من أجل المحافظة على بيئتي نظيفة نقية؟ أم حتى أشارك في حملة "فخور بأني غير مدخن".

كأنك سجائري السبب في أننا نستنشق ثاني أكسيد الكربون ونشرب الرصاص والفوسفات ونأكل طعاماً ملوثاً ونموت يومياً في حوادث السيارات، محروقين أو منفجرين فإن لم يكن بالعبوات الناسف، فننفجر بالغيظ والكبت والاستبداد، فنعيش في ضغط عصبي يومي يجلب الضغط والقلب والسكر للشباب قبل الشيوخ، في واقع الأمر قد يكون التدخين هو الأقل ضرراً من أشياء أخرى كثيرة، هذه الأشياء التي قد تذهب بالإنسان إلى الكفر وليس فقط التدخين، أو كما يقول أحدهم: "سيجارتي العزيزة: أنت السلوى وسط هذا العالم المجنون المليء بالإحباط".

ولعلك لا تغفل تعامل المجتمع مع المدخنين فيأتى عباقرة وزارة الصحة ليتفننوا في وضع صور مقززة على علب السجائر، وبكل بساطة من يتعفف النظر يضع غلافاً على العلبة، ثم تأتي وزارة المالية لترفع الضريبة على السجائر بشكل جنوني لا أعرف مقصدها سد العجز في الموازنة أم دفع المدخنين على الإقلاع، يا عزيزي يجب أن تعرف أن أول البنود التي تستقطع من دخل المدخنين هي السجائر والمواصلات، وتأتي حملات الوقاية خير من العلاج مثل "فخور بأني غير مدخن" أو تشجيع المدخنين على الإقلاع بـ"الدائرة- لا مؤاخذة- البيضاء" كما يطلق عليها أحدهم، وهنا تكمن مشكلة أخرى، فرغم حسن النوايا ولكن هذه الحملات تحولت إلى محاولات لنبذ المدخنين والتنطيط عليهم، فلا يجب أن يعاير الناس بعضهم البعض، فلكل منا زلاته ووقعاته وإدمانه أيضاً، بل إن لكل شخص عاداته السيئة أو المحرمة أحياناً، وسؤالي الآن: هل سيجارتي ما تجعل العالم أسوأ؟ وهل إن أقلعت ستصبح الحياة أفضل؟

لا يوجد مدخن لا يعرف أن التدخين مُضر، بل إن جميعهم متأكدون، قد يريد المدخن تفهماً وتشجيعاً لا يريد تنغيصاً وانتقاداً، يريد أن يفهم الناس أنه يعرف أنه ضعيف بشكل ما، وآخر شيء ينتظره منك هو أن تذكره بضعفه، فإن كنت تريد أن تساعده فعلى الأقل لا تلقي بالسباب في وجهه، كالذي يراك مشعلاً سيجارة فيقول: "اللهم عافينا"، وكأنك أصابك الجنون فتخلع ملابسك أمام الناس (مع احترامي وتقديري لحقوق المرضى النفسيين).

وبرغم الضرر إذا لماذا تدخن؟

المسألة نسبية جداً، والأسباب مختلفة تكاد لا تتشابه، فقط دعني أقدم لك إحدى السجائر، فأقرب شيء للمدخن سيجارته فهي في جيبه تحت أمره ويستدعيها في أي وقت، تشاركه كل المشاعر، حاضرة في اللحظات دون أن تصرخ في وجهه وتسأل ما أصابك؟

تفهم دون كلام، تستحضر كل أحلامه التي يريد أن يسبح معها في خياله وتحل محل كل إحباطات الواقع.. ففي لحظات الضيق والهم تأتي تنفس عن غضبه، في لحظات الحزن تحترم انفراده بنفسه، وفي لحظات الفرح تظهر كجائزة وبرهاناً على لحظات السعادة، فإن أحس بالندم تشعره بهذا اللوم الداخلي، فإن كان قلقاً تهديه هدوءاً، فإن حضر الأصحاب وتبادلوا الحديث فهي الساحرة اللعوب التي تثير الجو وتصنع المتعة، فإن كانوا أغراباً كان دورها فتح أبواب الحوار، وإن جلس وحيداً فتؤنس وحدته، وإن كان ينتظر موعداً فتلعب دور المسلى قاهر الوقت، فمع كوب من الشاي تجعله ألطف، ومع فنجان القهوة تجعلها أعمق، باختصار هي الشريك الوحيد الذي لا يخالف ما تريده أبداً فقط استدعها فتلبي النداء.

فقط إن رأيت أحدهم يخرج من غرفته ليجلس وحيداً في الشرفة مشعلاً سيجارته، إن رأيت أحدهم يقف في محطة الانتظار مشعلاً سيجارته، إن رأيت أصدقاءك يتبادلون السجائر كالحلوى، إن رأيت المدخنين في المأتم أو الأفراح فحاول أن تتفهم مواقفهم، أما إن رأيته يدخن في غرفة أو سيارة أو أماكن مغلقة، فحاول أن تتلطف في طلبك بأن يطفئ سيجارته وصدقني سيطفئها فوراً وسيعتذر منك.

في الثانية صباحاً أجلس وحيداً مع قهوتي وأوراقي لأنهي هذه الكلمات مدخناً آخر سيجارة لديّ، أشعلها بتأنٍّ أسحب منها نفساً بنهم شديد وأطفئها برفق وكأني أودع صديقاً حميماً، ثم ألقي العلبة فارغة مع يمين طلاق ألا أرتد إليها مجدداً.. لكن...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.