المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود سعيد Headshot

حين تقرر الصغيرة

تم النشر: تم التحديث:

بدأت الحكاية حين ألقى المساء ظلال عتمته والكل شديد الإرهاق والتعب!
رنّ جرس البيت
تعجبت الأم: من يريدنا الآن؟!
لكن بدا على الأب وكأنه كان يتوقع الزائر
فتحت الخادمة الباب فكانوا إخوته
وجوههم مكفهرة
تنطلق من عيونهم شرارات غضب
أخذت الخادمة " كريم وإيمان " ليناما
استسلم كريم للنوم
بينما ظلت الصغيرة إيمان مستيقظة قلقًا على أبيها من غضبة أعمامها السيئين
وقفت بها الخادمة خلف باب الغرفة تسمعان وتشاهدان
شجار شديد بين الإخوة وبين أبيها
تعالت الأصوات مع محاولة أحد إخوته الاعتداء على أبيها، ثم أقسم آخر إن لم يُعطهم ما يرونه حقهم خلال أيام فسيقتله أمام أولاده وزوجته
كانت إيمان ترتعد وتصرخ بصوت مكتوم يكاد لا يسمعه أحد ودموعها تنهمر، والخادمة تحتضنها وترجوها ألّا ترفع صوتها "لئلا يتعرض أبوك لأذى".. ظلت تقذف في أذنها "اصمتي.. اصمتي".
إلى أن نامت الصغيرة!

وحين غادروا المنزل حاولت الأم مع زوجها أن يخلد للنوم
رفض
واستأذنها أن تتركه وحده
ولـمّا أشرقت شمس يوم جديد شديد الحرارة
استيقظت إيمان
وقد قررت اختيارًا
"ألّا تتكلم.. طالما صمتُها فيه حياة أبيها"..
وظلت لسنوات.. تُعاني ويُعانون من "صمتها الاختياري"!

ما حدث كان قرارًا داخليًّا صارمًا ذهبت فيه الصغيرة إلى التنفيذ الفورى الذي استمر لسنوات دون أن يعرف والداها ما الذي أصاب ابنتهما ولماذا؟!

في مثل هذه الحالات:
يجب أن نتعامل مع صغارنا بمبدأ "الوقاية خير من العلاج" فلا يتعرضون "سمعًا أو مشاهدة" لحدث ما يعالجونه -كصغار- عقليًّا بقدر عمرهم، وقد يلجؤون كما لجأت صغيرتنا هنا إلى قرارات داخل نفوسهم تُدخل الأسرة فى مأساة تستمر لسنوات.

الأفضل -إذا ما حدث هذا أو غيره- أن نرجع بالحدث في لحظة بدايته ونتناوله فى سياق الزمن القريب له ثم فى زمن الحدث نفسه ثم فى الزمن التالي له، وهذه أهم مرحلة وهي الصعبة لأن كثيرًا من الآباء والأمهات والمربين من ينسون متى وكيف حدث هذا وهنا نقول إن التوثيق "سجل الأبناء - سلوكهم - صحتهم الجسدية - قدراتهم وحالتهم العقلية والنفسية - الأحداث اليومية بحياتهم - أهم الأحداث التي تعرضوا لها" مما يوفر عناء التذكر والبحث عن لحظة بداية الأزمة ويسّرع بالتشخيص الصحيح.

يبقى هنا أن أقول إنّ أجمل ما رأته عينيّ وسمعته أذني كلمة الصباح بالإذاعة المدرسية والتي كانت بصوت الصغيرة "إيمان" ذات التسع سنوات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع