المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محجوب الزويري Headshot

إيران: البعد المذهبي والتحدي السُكاني

تم النشر: تم التحديث:

خصصت الحكومة الإيرانية في فترة الرئيس الإيراني السابق محمود احمدي نجاد ميزانية خاصة لتشجيع الإيرانيين على زيادة النسل، فبعد اكثر من عشرين عاماً من تطبيق سياسة تحديد النسل، تسعى السلطات في طهران إلى مضاعفة عدد السكان والوصول إلى 150 مليون نسمة بحلول العام 2050. الرئيس نجاد دفع باتجاه تشريعات تمنح المرأة العاملة وقتاً كافياً للإنجاب والاعتناء بالأطفال مع بقاءها عاملة أيضاً .

هذا النقاش حول عدد السكان والنمو السكاني ليس جديداً، فمرشد الثورة المؤسس للجمهورية الإسلامية آية الله الخميني كان يدفع باتجاه زيادة مضطردة للسكان، كما أن مرشد الثورة آية الله علي خامنئي يدفع بهذا الاتجاه. آخر البيانات المتعلقة بالنمو السكاني في العالم تشير الى غالبية ما يسمى بالعالم السُني يشهد نسبة زيادة سكانية تتراوح بين 1.5-3.5،% في حين أن نسبة النمو السكاني في ايران تراجعت منذ العام 1998 إلى 2012 إلى حوالي 1.4%. السؤال ما أهمية كل هذا لا سيما في السياق الاجتماعي والسياسي لإيران؟

في الاحصاءات السكانية الإيرانية بعد العام 2009، ثمة أرقام تطلع عليها السلطات وليس يسمح لغيرها بالاطلاع عليها، هذه الأرقام تشير إلى نمو متسارع في المجتمعات السنية في إيران تصل إلى حوالي 7% في حين أن النمو السكاني في المجتمعات الشيعية لا يتجاوز 1.5%. طهرات التي كان المجتمع السني فيها لا يتجاوز النصف مليون تجاوز السكان السنة فيها المليون نسمة.التصريحات المتناثرة إلى رجال دين أو أكاديميين مقربين من السلطات تعكس حالة من الدهشة وربما القلق الكبير مما حملته بيانات إحصائية تعود إلى العام 2011.

هذه البيانات أكدت على تزايد التلاميذ في مدارس المجتمعات السنية مقابل تراجع في أعداد التلاميذ في المجتمعات الشيعية بسبب تراجع الإنجاب لدى الأزواج الإيرانيين. ففي احصائيات تعود إلى العام 2012 تبين أن حوالي 18 % من الأزواج الإيرانيين لا يوجد لديهم أطفال، كما تبين أن حوالي 17% من الأزواج لديهم طفل واحد فقط ونفس النسبة (17%) لديهم طفلان. في المقابل الإحصائيات أن نسبة عالية من الأزواج في المجتمعات السنية في إيران لديهم 4 أطفال وأكثر.

يظهر النقاش حول المسألة السكانية في بعدين: الأول رسمي ويتعلق بمسألة التخطيط الحكومي وأهمية السكان في هذا التخطيط، أما المستوى الثاني وهو بلا شك غير بعيد عن البعد الأول يتعلق بالهوية المذهبية لإيران. ما يظهر من تصريحات لرجال الدين والمقربين من المؤسسة الدينية يتجلى فيها رائحة القلق القوية، القلق من التحول التدريجي الذي تشهده إيران لا سيما في زمن الجمهورية الإسلامية والتي ينبغي - وفق رجال الدين- أن يتزايد فيها الشيعة في الداخل لا أن يتم التركيز على نشر المذهب في الخارج. فانتشار المذهب في الخارج وتراجعه في الداخل تُضاعف التحدي للجمهورية الإسلامية لا سيما وأنها في دستورها تؤكد على شيعية الدولة والمجتمع.

الملفت للانتباه في هذا النقاش أيضاً هو التفسير الأولي لرجال الدين والمقربين من السلطات. فالتفسير الأولي يقوم على أن السبب في هذا التزايد السكاني في المجتمعات السنية في إيران ناتج على تأثير المدرسة الوهابية وتعدد الزوجات. في هذا الأمر تأثير للخصومة ببين الشيعة والوهابية حيث أن مسألة التعدد هي مسألة أقرها القران الكريم ولا تتعلق بمذهب ولا بمدرسة فكرية معينة. ما لا يقال في هذا الشأن أن المجتمع الإيراني لا يقبل التعدد اجتماعياً، وان المرأة لا سيما في مناطق الحضر والمدن ترى في التعدد إهانة لها.وأما الرجل فثقافة التعدد عبر الزواج تكاد تكون منعدمة. ما لا يقال أيضاً أن الأوضاع الاقتصادية قد ألقت بظلالها على مسألة الإنجاب لا سيما في المدن الإيرانية، فمتطلبات الحياة في تلك المدن مكلفة، وبالنظر إلى دخل الفرد والرغبة في الحياة الأفضل فخياراته محدودة، أما عدم الزواج أو الزواج وانجاب طفل أو طفلين.الأكثر قلقاً في كل ما يحدث هو أن ثقافة عدم الإنجاب أصبحت هي الرائجة مجتمعياً وهي تعكس أن خطاب النظام والسلطات حول أخطار ذلك على المذهب لا تصل إلى الجمهور الشيعي، وهذا ربما يفسر غياب حالة التدين العام وربط ذلك بمسألة الزيادة السكانية العامة في المجتمع.

القلق الإيراني يتزايد بالنظر إلى النمو السكاني المتزايد في مجتمعات سنية تقع ضمن الجغرافيا السياسية لإيران مثل باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية، وبالنظر إلى حالة العلاقات المضطربة مع هذه الدول، فمن المرجح تزايد مثل هذا القلق مستقبلاً.

المعضلة السكانية في إيران تكاد تكون تكون أحد اهم التحديات المسكوت عنها، وهي تشابه المعضلة السكانية في إسرائيل والتي طالما اعتبرتها إسرائيل تحدي وحتى تهديد لوجودها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.