المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ماهر الديب Headshot

في الحبّ أنت تقتلُ ألف مرة

تم النشر: تم التحديث:

عُذراً سيدي القاضي.. أنا لم أقتلها مرة واحدة، فقد قتلتها مرات ومرات، حتى إنني لم أعد أتذكَّر كم هو عددها، ولكني أتذكر جيداً كيف قَتلتُها.

في كل مرة كنت أتجاهلها كُنت أقتُلها، في كل مرة كنت أهون من قيمة حبها لي كنت أقتلها، وكل مرة استهنت بتلك الدموع وأخبرتها أنها تحمل قلباً ضعيفاً ونفساً واهية، وعليها أن تصبح أقوى كنت أقتلها، في كل مرة لم أكترث فيها بمخاوفها والرعب الذي كان يساورها إذا فقدتني كنت أقتلها.

في كل مرة شعرت فيها أنها لم تعد في نظري كما كانت من قبل كنت أقتلها، في كل مرة لم أعد أهتم فيها بتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تقدسها هي، ولا ألقي لها بالاً كنت أقتلها.

في كل مرة ابتسمت فيها لغيرها أو حدثتها عن جمال إحداهن كنت أقتلها، في كل مرة أخبرتها فيها أن الحياة لن تتوقف على وجودي، وأن كل شيء سيصبح على ما يرام كنت أقتلها.

في كل مرة طلبت منها ألا تستمر في هذا الاهتمام البالغ حد الجنون بكل ما هو مني ولي وبي كنت أقتلها، في كل ليلة شتوية أمضتها ترتجف من وقع الألم الرهيب بقلبها حينما أدركت حقيقة رغبتي في الابتعاد كنت أقتلها.

في كل مرة سعيت فيها وراء نزواتي لأشبع جماح رغباتي الدنيئة فخنتها مرات ومرات، وكأني كنت أطعنها في قلبها بخنجر مسموم متلذذاً بذلك غير عابئ بانهيار بنيان روحها، قتلتها حينما تيقنت أني أملكُها وأنها من بعض أشيائي التي تقبع في أحد جيوبي.

ولكن يا سيدي.. لم تسبق أن تحدثت أو تألمت، دائماً ما كانت تخفي أنينها بعيداً عني خوفاً منها عليَّ من أن تؤذي مسامعي ببكائها.

كانت تصمت فقط، وتنسحب بهدوء؛ لتتألم وحيدة، ثم تعود حتى تطمئن على مزاجيتي ألا تكون قد تعكرت بسببها.

لم يسبق لها يا سيدي أن ألقت اللوم عليَّ رغم طعناتي المتوالية وسحقي المستمر لمشاعرها، لم تكن تَحُلم سوى أن أحبها ولو بقدر ذرة من حبها لي، ولكني لم أفعل سوى أني قتلتها وقتلت فيها كل شيء بريء، وقتلت أشجار الزهور بقلبها، جرفتُ أمانيها وأحلامها البسيطة واقتلعت بريق عينيها وأطفأت نور الأمل في وجنتيها.

هوِّن عليك سيدي القاضي عناء اختيار العقوبة المناسبة بعد بشاعة ما ذكرته آنفاً، فلو أنك أمرت بقتلي لأرحتني من عذاباتي الأبدية، فمن مثلي الموت له نجاة وأنا لا أريد أن أنجو من عقاب السماء لها؟!

أيها الرفاق.. أعلم جيداً أن بداخلكم رغبة قوية في إحراقي حياً لو سنحت لكم الفرصة، فأعينكم أخبرتني بكل شيء، ولكن قبل أن تصدروا حكمكم تجاهي دعوني أطرح عليكم سؤالي الوحيد: من منكم لم يتذكر إحدى ضحاياه بينما تسمعون قصتي؟ ربما أكون صاحب القصة الأبشع، ولكنكم مذنبون أيضاً، حتى لو كنتم مذنبين بلا قصد، وكلكم قاتل حتى لو لم تتوفر الجريمة؛ لذا فطهِّروا أنفسكم بالشعور بالذنب، واغسلوا أرواحكم بالحب، وتمسكوا جيداً بتلابيب من أحبوكم بصدق، كونوا رهباناً في أديرة العشق الأبدي، ولا تتخذوا غير الحب سبيلاً، واطلبوا الغفران ممن تبقى من ضحاياكم على قيد الحياة، وبقدر الألم الذي بداخلي أتوسل إلى العاشقين على هذه الأرض لا تبرحوا قلوباً أنبت الله فيها لحبكم أشجاراً

انتهى حديثي إليكم، وانتهت كلماتي، ولم تنتهِ حكاياتي عنها ولو بقيت مخلداً.. فقط دعوني أرجع لتلك الزنزانة المظلمة، فلا يزال يأتيني طيفها كل يوم في زنزانتي لتربت على كتفي بيديها الناعمتين هامسة في أذني: "لا تبكِ يا حبيبي.. فدموعك تؤلمني في مرقدي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.