المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مهدي عامري Headshot

العمل و الاستثمار و المستقبل

تم النشر: تم التحديث:

لكل حكاية راوٍ، ولكل راوٍ حكايات مليئة بالمعاني والشخوص ومتشابكة الأحداث يقصها على الناس لأهداف شتى: التسلية، العبرة، تزجية الوقت...

يقول الراوي: (منذ أيام قليلة، استوقفتني جملة لأحد مشاهير التنمية البشرية، وهو الأمريكي جيم رون: "اعمل أكثر من الأجر الذي تتقاضاه حتى تستثمر في المستقبل". يا إلهي! كم هي صادقة هذه الجملة وعجيب أنها تعكس محطة مهمة في حياتي؛ فقبل 9 سنوات، سافرت لفرنسا للعمل دون منحة دراسية، وكان مخططي أن أعمل وأدرس في الوقت نفسه كغيري من طلاب الدراسات العليا في هذا البلد الذي يحترم العلم والعمل والاجتهاد. كانت سنة الماستر وما تلاها من سنوات الدكتوراه أوقات كد وعمل لا ينقطع. توزيع للجرائد في الصباح الباكر وعمل في المطعم الجامعي في منتصف النهار، وانهماك في الدراسة بعد الظهر إلى حدود الساعات الأولى من الليل. كانت مغامرة بكل المقاييس، ولكن كان لها في ذاكرتي طعم أحلى من العسل. ولم يكن العمل وحده الذي علمني الصبر وتحمل المسؤولية، بل هناك عامل أقوى لا يقل أهمية: اللقاء المستمر بالأشخاص الناجحين الذين ألهمني التعامل والتواصل معهم وشحن بطارية القيم لدي بالمزيد من الأمل والإخلاص والإقبال على الحياة.

أرمون فلوريا كان واحداً من هؤلاء الناجحين. مازلت أذكر قسمات وجهه المتعب ونظرة عينيه المشربة بالحنان والتفاؤل وابتسامته العذبة وهو يقول: "منذ أول لقاء لنا أحسست أنك إنسان جاد، لذلك أود أن تساعدني في إدارة بعض أعمالي الفنية بما تجود به مخيلتك من أفكار ورؤى واستراتيجيات. ليس المهم ما تربحه من مال جراء ذلك، لأني أقترح عليك أن تعمل لصالحي متدرباً بالمجان، وثق بأن ما ستجنيه هو الكثير من التجربة المهنية واستثمار مباشر في المستقبل. هل ترى هذا الكتاب الذي بين يدي؟ (وأشار إلى مجلد من 1000 صفحة)، إنه ثمرة 3 سنوات من الكتابة والعمل والخيال وسهر الليالي والمجهود الشاق. إنه عمل مسرحي وافقت بلدية بوردو على دعمه مادياً وسوف يبرمج في الأسابيع القليلة المقبلة في المسرح الكبير. لقد كان تأليف هذا العمل صعباً جداً، وفي أوقات كثيرة لم أكن أجد ما أسدد به الفواتير، ولكن كان لدي إيمان راسخ بأني حين أعمل من صميم القلب، وأحياناً أكثر من طاقتي فإني أستثمر في المستقبل.

خليل، صديقي من الجزائر، كان أيضاً من الناجحين الذين تعلمت منهم دروساً في الحياة. كان خليل طالباً في شعبة البيولوجيا، وكان لكثرة انشغاله بالدراسة لا يجد من الأيام إلا نهاية الأسبوع للعمل من أجل توفير مصاريف المأكل والمسكن. ورغم مرور أزيد من 4 سنوات على آخر لقاء جمعنا إلا أني أذكر جيداً ما دار بيننا من حوار، ذات يوم خريفي:

- كيف الأحوال مع العمل الجديد؟

- عمل شاق لكني مجبر يا عزيزي. إني اشتغل 20 ساعة نهاية كل أسبوع، كل سبت وأحد، وأحياناً أكثر. تصور أني أعمل دون عقد عمل وأن مشغلي يمنحني نصف أو ثلث ما استحق. تصور! ومع ذلك، لا يهم، لأني لا أجد عملاً غير هذا، ولأن كل شيء يهون، فالحاضر مليء بالمشاق، والمستقبل إن شاء الله أفضل.

- وأنت؟ وجرائد الصباح؟ ومطعم الجامعة؟

- لم يتغير شيء، لكني أنا الذي تغيرت. لقد أصبحت مبرمجاً على الاستيقاظ مبكراً، كل صباح، على الساعة الخامسة. وصار هناك أيضاً في داخلي مقدار كبير من الجلد والعزيمة والتعاطف مع الناس.

- أنا أيضا أتعاطف مع مشغلي الكريم جداً معي!

- كفاك مزاحاً، ها ها ها...

كان هناك أرمون، وخليل، وهناك أيضاً سباستيان. سباستيان! هل تسمعني؟ نعم، إني أسمعك أيها الراوي، لكن لماذا تسرد بالعربية؟ أنا لا أفهم هذه اللغة الجميلة والساحرة، لغة القرآن كما تقولون، هل نسيت أني إسباني؟ صحيح أنه تجري في عروقي بعض من دمائكم العربية بحكم أصولي الأندلسية وإرثنا الحضاري المشترك، لكني لا أفهم العربية... سباستيان، يا عزيزي، وأنا لا أتكلم إلا قليلاً من الإسبانية، ولكن هل نسيت أنه منذ 2011 إلى حدود اليوم ونحن نتخاطب بالفرنسية؟ لا يهم يا صديقي، خاطب قراءك بأي لغة تشاء، فسوف تترجم لي لاحقاً. موافق يا سباستيان! لكن، هل تذكر اعترافاتك في آخر لقاء لنا، هنا في كازا، مدينة العمل والجد والرطوبة والربو والاختناق؟

- اسمع يا صديقي، هناك ذكريات جمعتنا منذ عودتك للمغرب، ذكريات لن أنساها ما حييت. لقد عملنا معاً في القبو نفسه، وكنا نستنشق الرطوبة والعفونة لأزيد من 45 ساعة كل أسبوع. عملنا معاً سنتين في هذه الشركة اللعينة، وضحكنا وبكينا وتقاسمنا الحلو والمر، والأمل في مستقبل أفضل. وها أنت اليوم مستقر في عمل أفضل في أقصى الجنوب، أما أنا فقد وجدت عملاً محترماً في كندا، في نهاية الشهر الماضي.
- كندا ؟ واو!! إياك أن تهاجر لكندا وتنسى أصولك المغربية!
- لا تخف، أنت تعلم أني أكثر الأسبان الذين يفتخرون بمغربيتهم...
- لا أشك في ذلك.

ومرت الأيام، ولم أجد سبيلاً إلى التلاقي مع أصدقائي ورفاق دربي: أرمون وخليل وسباستيان. لكني، كلما أردت استذكار هؤلاء الأعزاء، رددت في أعماقي حكمة من الحكم الخالدة لجيم رون: "اعمل أكثر من الأجر الذي تتقاضاه حتى تستثمر في المستقبل").

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.