المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مهدي عامري Headshot

تأملات في فاجعة منى

تم النشر: تم التحديث:

الحياة و الممات، المتعة و الألم، البقاء و الفناء، الذهاب و الإياب، الرحيل و الزوال، الليل و النهار. الحب و اللقاء، التضحية و الفداء، الحج و الانكسار، التوبة و الاستغفار. غرباء في سجن الحياة، ، مساكين و فقراء إليك، ليس لنا من رب سواك، و الحج إليك إلهي هروب من المادية الطاحنة و تزكية للنفس و بحث عن المعنى و الكمال و الجلال و تجاوز لأغلال الأنا و انتصار على الذات و ذوبان في عشقك يا رحيم يا رحمان ! لبيك اللهم لبيك ! لبيك لا شريك لك لبيك ! إن الحمد و النعمة لك و الملك ، لا شريك لك !
أن تكون قريبا من الله، أن ترحل إليه و يرزقك نعمة النظر إلى وجهه الكريم. أن تموت في سبيله ؟ أن تعيش من أجل إعلاء كلمته في الأرض ؟ ماذا تختار ؟ أيهما أنفع و أفضل للإيمان ؟ مثل الملايين من المسلمين حول العالم تأثرت كثيرا بفاجعة منى التي راح ضحيتها مئات من الحجاج الميامين، لكني، و إلى حدود كتابة هذه السطور، أجدني منهمكا في تفكير عميق... و في الوقت ذاته أستغرب لسماع عبارات من قبيل : "سعدات اللي ماتوا في الحج / أفضل شيء أن تموت هناك، بعيدا، حيث الأرض المقدسة / تمنيت نكون مع هادوك اللي ماتوا / أحسن موتة هي موتة في الحج...". ما مبعث استغرابي إذا ؟ أريد أن أركز في هذا المقال على فكرة واحدة دون أن أزعم إطلاقا أني مصيب 100% في ما أقول، فما سوف أتقاسمه معك من تأملات، صديقي القارئ، جدير بأن يخضع للنقاش و النقد و السجال بل حتى الرفض إن شئت. إن التأملات التي أضعها بين يديك مثل الطبقة الأولى من الدهان الذي يعلو جدران المنازل الحديثة البناء، و مساهمتك في إثراء هذه السطور طبقات أخرى تزيد بناءنا جمالا و نضارة و صلابة.
" أن تحيا من أجل الله، و من أجل الإنسانية و الخير لا يقل أهمية عن أن تموت في سبيله تعالى " ؛ تلكم هي الفكرة التي نود أن ندافع عنها. و الحال أن عددا هائلا من مسلمي هذا العصر لا يتفقون مع تصور كهذا معتقدين أن الحياة لا تساوي شيئا و أن الحكمة و الكمال يكمنان في الموت... في الموت فحسب. صحيح أن واقع المسلمين مرير قاتم شديد السواد : قتلى و مشردون و لاجئون بالملايين في سوريا و العراق و فلسطين، حروب أهلية و توترات و قلاقل في دول إسلامية كثيرة شرقا و غربا، وضع اقتصادي و اجتماعي شديد السوء في دول كثيرة من العالم الإسلامي، ناهيك عن التخلف الذي أصبح كاللازمة بل مضرب الأمثال في كل مكان. لكن ما هو صحيح أيضا أن الحياة ليست حقيرة كما يتصورها البعض و تستحق أن تعاش لأنها، و بكل بساطة، هبة من الله. أما أن يتم تمجيد الموت و بث كراهية الحياة في مناسبات كثيرة بذريعة أن ذلك من صميم الإسلام، فهو يسيء للدين أكثر مما يخدمه. لماذا ؟ الإجابة يمكن تلخيصها في النقاط الثلاث التالية:
1. "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف" كما جاء في الحديث الشريف، و القوة هنا تستدعي الحياة و العمل و المسؤولية و الابتكار و الريادة بين الأمم. نؤمن بأن الحياة فانية و بأن الآخرة خير و أبقى، لكننا نؤمن أيضا بقول الله تعالى : " و لا تنس نصيبك من الدنيا و أحسن كما أحسن الله إليك".
2. إن حياة المسلم، بل البشر جميعا، بصرف النظر عن دينهم و ثقافتهم و انتمائهم، مقدسة، لذا فإن الاستهتار بموت المئات في فاجعة منى، أو اعتبار ذلك أفضل طريقة للموت يمكن أن ينالها شخص ما... كل ذلك نحترمه لكننا لا نتفق معه. لماذا ؟ لأن حياة الإنسان غالية، رغم كل شيء، و "من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".
3. إن هناك مئات من الأسر حزينة على حجاجها الذين التحقوا بالرفيق الأعلى، في فاجعة منى، و هذا أمر طبيعي جدا. فأي سعادة في مصير مأساوي كهذا ؟ أتخيل أنه من الحجاج الذين قضوا في منى... منهم من ترك أطفالا أيتاما و نساء أرامل و ديونا دون سداد و مشاريع غير مكتملة. كل هذا مؤسف. أتفق معك، صديقي القارئ، أن المكتوب ما منه هروب و أن الإيمان بالقضاء و القدر خيره و شره، حلوه و مره، من أركان الإيمان. لكن، لا تنس أنه حتى النبي صلى الله عليه و سلم، حزن لموت ابنه إبراهيم. فلا تقل لي يا له من مصير سعيد ما حل بالحجاج في منى...
الحياة و الممات، البقاء و الفناء، الذهاب و الإياب، الرحيل و الزوال، الليل و النهار. الحب و اللقاء، التضحية و الفداء، الحج و الانكسار، التوبة و الاستغفار... الحج إليك إلهي هروب من المادية الطاحنة و تزكية للنفس و بحث عن المعنى و الكمال و الجلال و تجاوز لأغلال الأنا و انتصار على الذات و ذوبان في عشقك يا رحيم يا رحمان ! لبيك اللهم لبيك ! لبيك لا شريك لك لبيك ! إن الحمد و النعمة لك و الملك ، لا شريك لك ! أن تكون قريبا من الله، أن ترحل إليه و يرزقك نعمة النظر إلى وجهه الكريم. أن تموت في سبيله ؟ أن تعيش من أجل إعلاء كلمته في الأرض ؟ ماذا تختار ؟
وحدك تملك الإجابة عن هذا السؤال !

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.