المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مها شهوان Headshot

انغام الموسيقى تتكسر على شواطئ غزة

تم النشر: تم التحديث:

لم اتردد كثيرا في اختيار تدوينتي الاولى "للهافنغتون بوست"، كوني قررت الكتابة عن الوجه الاخر لمدينتي التي اسكنها "غزة"، ففي مثل هذه الايام من العام الماضي شاء القدر ليكتب لي الحياة من جديد حينما حوصرت في بيتي ولم تتمكن سيارة الصليب الاحمر اخراجي لمكان امن فالقذائف والصواريخ كانت فوق رأسي فأدركت حينها ساكون في عداد الشهداء.

أما اليوم احتفى وزوجي بكتابة حياة جديدة لنا على شاطئ بحر غزة، فهنا المكان ليس عاديا فلم يعد يقتصر على تقديم المشروبات الباردة وسماع الاغاني الوطنية، فقد حل مكانها أصوات الالات الموسيقية التي راحت تتسلل إلى اجسادنا لتنسينا الذكريات المؤلمة وتعدنا بغد أفضل.

هذا "ساشا" اوكراني الجنسية يقترب من الحضور ويعزف عبر الة "الأوكورديون" الوحيدة في قطاع غزة فقد اخترقت الحواجز لتكسر الحصار بانغامها، فبات الصغار قبل الكبار يتراقصون من اماكنهم على وقع انغامها، وفجأة يحل صوت شابة عشرينية تشدو بصوتها لفيروز وام كلثوم وعبد الحليم حافظ حسب طلب الحضور.

على مقربة مني تجلس امراة تغطي وجهها وتحاول مواراة نفسها عن الانظار، لا تريد أن يراها أحد فهي أم شهيد تخشى أن يقول البعض " لم يمض على استشهاده العام وجاءت لتسمع الموسيقى"، همست لابنها أن يطلب من المغنية سماع شيئا لكاظم الساهر، فابنها الشهيد كان يحبه كثيرا.
الفرقة التي اعتادت المجيء أسبوعيا إلى شاطئ بحر غزة تمارس هوايتها لاسعاد الغزيين، الذين باتوا يتخذون من الموسيقى وسيلة للسفر إلى مبتغاهم بدلا من المعابر الحدودية المغلقة التي تقتل احلامهم وتمنعهم التحليق في العالم الخارجي لتحقيق أمنياتهم.

في المكان ذاته يجلس مجموعة من الشباب والفتيات يرتدون " T_shirt " منقوش على كل واحد منه اسم اغنيه عربية اختاروها بأنفسهم، فالأمر يبدو غريبا فتلك المشاهد ليست معتادة في قطاع غزة المحافظ، ووارتداء مثل تلك الاشياء لا يتقبلها الكثيرون.

فمنذ ثماني سنوات تقريبا اغلقت الملاهي الليلية بغزة ومنعت اقامة الحفلات المختلطة بسبب تهديد الجماعات المتطرفة بتفجير الاماكن مما كان يثير هلع الغزيين في الاقدام على حضور حفلة غنائية بخلاف الان.

اليوم وبعد ثلاثة حروب وحصار لم يعد يكترث أحدهم لشيء فالمهم أن يتمتع ولو قليلا قبل أن يأتيه الدور ليكون في عداد الشهداء.

ويبدو ما ساعد على انتشار الفرق الموسيقية بغزة والمجاهرة بحب الموسيقى والفن ظاهرة فنان العرب محمد عساف التي كشفت من خلال دعمهم له تعطشهم للفن بدلا من صوت صواريخ الاحتلال التي اعتادت اذانهم سماعها من حين لاخر.

التحاق الاطفال بالمراكز الموسيقية لتنمية مهاراتهم لم يعد يقتصر على سكان المناطق الراقية في قطاع غزة كما السابق بل بات أبناء المخيمات يتسابقون للتسجيل فيها بتشجيع من ذويهم، فبعدما كان ذلك في السابق "عيب" أصبح الان موهبة ويجب تنميتها.

هنا اهمس لكم حينما كنت صغيرة سألتني إحدى قريباتي ماذا ستكونين في المستقبل؟، فأجبتها سريعا "مغنية"، حينها نظرت أمي إلى نظرة غاضبة ففررت من مكاني وخشيت توبيخها، شعرت وقتها بأنني أشركت وأغضبت رب السماء.

نهاية وبعد وصلة غنائية شدا بها احد شباب فرقة "solo band " الغزية انهيت من ارتشاف فنجان قهوتي وقررت العودة الى البيت ففي السيارة غفيت على صوت ام كلثوم وبمجرد دخولي البيت دخلت في دوامة أخرى فالتيار الكهربائي مقطوع وحل مكانه المولد الكهربائي ذو الصوت المزعج الذي يجعلني أشعر وكأني في دوامة لا نهاية لها.