المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مها عمر Headshot

من جغرافيا الذات

تم النشر: تم التحديث:

(1)
كُنت في الكويت حيث وُلدت ودرست ونشأت، حين اتصل بنا عمي "أبو حنان" ليخبرنا أن آخر صيف سنقضيه معًا كان الذي مضى.

دُفنت حنان وهي في السادسة عشر في مقابر العامود بالإسكندرية في السادس من ديسمبر عام 1997. حنان كانت آخر عهدي بأيام السلام.

(2)

في اليوم التالي وفي حصة القراءة، طلب مني مدرس اللغة العربية أن أقرأ نصًا شعريًا، وكان عن رثاء ابن الرومي لأولاده، وكنت أحبس دموعي حبسًا حتى لا يسألني سائل عن شيء، فقرأت والعبرة تخنقني:

أوَدُّ إذَا مَا المَوْتُ أوْفَدَ مَعْشَرًَا إلَى عَسْكَرِ الأمْوَاتِ، أنِّي مِنَ الوَفْدِ
وَمَنْ كَانَ يَسْتَهْدِي حَبِيْبًَا هَدِيَّةً فَطَيْفُ خَيَالٍ مِنْكَ فِيْ النَّوْمِ أسْتَهْدِي

لم أستطع أن أكمل، وكأن الكلام انحشر بين أسناني، فعافاني المدرس مشكورًا من استكمال القراءة. وأعطاني زملائي مناديلًا أجفف به ما بدا أنها دموعي، وإن كنت لم أشعر بها.

من وقتها وحنان طيف منام لا أكثر. وآخر قبلة قبلتها لي أنا وأختي كانت طيف منام، وكل ما قضيناه في الإسكندرية صيف 1996 كان طيف منام كما قال ابن الرومي. وكان ذاك أول عهدي بالعداء للبوح.

(3)

حي باكوس الشعبي الضيق حيث يعيش أعمامي، عمي الكبير "هاشم" أبو حنان، وعمي الأوسط "محمد" وشهرته "عربي" يعيشان في عمارة واحدة في شقتين متقابلتين. الحي مستلقٍ بطوله أمام محطة ترام عتيقة، يفترش أمامها باعة الأسماك والجندوفلي (المحار) والكابوريا (سرطان البحر).

روائح تجعلك تلقائيًا تضع منديلًا على أنفك قبل أن تستقبل أذنيك هتافات باعة المحطة الآخرين. الجبن القريش البلدي، والخضار والفجل والجرجير، والفطير البلدي والبقسماط الصعيدي (الفايش).

لو أنك تمر متعجلًا أول نزولك من الترام ستجد شارعًا طويلًا باسطًا ذراعيه على الرصيف حيث يتمشى النسوة الهوينا، ويكثر عن اليمين وعن الشمال محلات بيع ملابس ومستلزمات العرائس. وللقطن الفاخر انتظر حتى تصل إلى محل عمر أفندي وتتمهل الخطا وأنت تقرأ بعينين متفحصتين ما كُتب على اللافتة الكبيرة الملعقة في صدر المدخل: تأسست عام 1856. وقتها كان اسمها أوروزدي باك.

ورغم أننا عشنا في الكويت إلا أن أمي كانت تفضل القطن المصري الذي يُباع هناك وملابس جدتي كانت تأتيها من هناك. حتى بعد تأميمه وتحويله إلى ملكية حكومية، ظل مقصدنا نحن المقيمين خارج مصر والمقيمين داخلها من أبناء الطبقة الوسطى في التسعينيات.

الآن يزحف في مخيلتي شيء من مذكرات العراقية "مي مظفر" عن افتتاح الأوروزدي باك في العراق في أوائل الخمسينيات، جعلتني تلك الخاطرة أتسلق مكتبتي لأصل إلى ركن السير الذاتية والمذكرات، ووجدتها بالفعل تحكي كيف كان افتتاح الأوروزدي باك في العراق:

"كان الأوروزدي باك وافتتاحه حدثًا مهمًا في بغداد، سلع فرنسية، أحدث الأزياء، قطع من كريستال باكارا الثمين، وأطقم الكريستوفل والبورسلين من الويدج وود والروزنتال، على غرار ما كان يُعرض في باريس. في المبنى الجديد لأوروزدي باك مصعد كبير مؤثث بمصطبة، حدث بذاته طغى على متعة التفرج والاقتناء".

باع أعمامي البيت القديم في الزقاق المظلم وخرجوا إلى حي سيدي بشر الواسع المزدحم. عمر أفندي أو الأوروزدي باك بيع عام 2005 إلى رجل الأعمال جميل القنبيط بمبلغ 560 مليون جنيه. كانت مبيعاته سنويًا 350 مليون جنيها. بعد السنة الرابعة من بيعه: المبيعات صفر!

ألتحف بكوفية من الصوف صنعتها لي ستي، وأعبر الشارع إلى حيث عمر أفندي الجديد بعد بيعه في المنشية بالإسكندرية. لافتة لامعة وبضاعة جديدة. وملابس مرتخية على "مانيكان" مصابة بالأنيميا. أنيميا الركود والعزوف، والانتظار بلا جدوى.

(4)

"القبض على صاحب كشك بحيازته 10 أكياس سكر واتهامه بالاحتكار" الخبر بتاريخ 16 تشرين الأول\أكتوبر 2016 على موقع صحيفة الوطن.

لست مدخنة شرهة. أعتبر أنني لست مدخنة أصلًا، لكنني أدخن من حين لآخر حين أشتهي. أشعر برغبة في التدخين. لكني أحرس آخر سيجارة في العلبة للحظة شتائية أثيرة، لازلت لا أعرف ماهيتها على وجه التحديد.

أنظر في الساعة وأكتشف أن ناتالي صديقتي قد تأخرت. منذ تقرر موعد زواجها ونحن نخرج كل أسبوع تقريبًا لنشتري مستلزمات العروس. وقفت على مقربة من النصب التذكاري للجندي المجهول القائم على البحر في المنشية. تبحث ناتالي عني ممسكة "بالموبايل"، رأيتها. هرولت نحوها. قطع الطريق شاحنة ضخمة تابعة للجيش مكتوب عليها: السكر للجمهور بـ7 جنيهات. وشعار تحيا مصر.

تجمهر خلق كثير في دقائق معدودة. ناتالي تحاول تجنب الحشد. أنا أحاول أن أمشي دون استجابة لشهوة التصوير. تفاجئني ناتالي وتأخذ يدي بعنف بعيدًا عن زحام "السكر".

نجتاز شارع صلاح سالم في الإسكندرية أو شارع " البنوك": بنك الإسكندرية، وبنك مصر، وبنك القاهرة. ندخل المقهى الراقد أمام أحد محلات الملابس القطنية نطلب فنجانين من القهوة ونكتشف أن مكعبات السكر في الأكواب الخزفية قد اختفت. نضحك. ولم يكن ذلك أول عهدي بالأزمة.

(5)

لم تحك لي جدتي أي أسرار من قبل، لكنها ذات ليلة جلست على الأرض. أمام البلكون الصغير الذي كان منبثقًا من الصالة، وقد أطفأت الأنوار وشدت الستار الرقيق المزركش حتى لا تنكشف جلستنا أمام الجيران.

بينما بقى نور الممر خلفنا على اليمين مضاء بلمبة هادئة تسمى "اللمبة السهاري" وهو تقليد منزلي مصري عتيق يدفع ظُلمة المنزل الحالكة ليلًا بمصباح كهربائي ضعيف سيئ الإضاءة
.
ثم قالت وهي ترمقني بنظرة ثاقبة: سمعتك تقولين للصغار أن الشر يمكن أن ينتصر في النهاية. أطرقت رأسي ولم أجبها. فاستطردت: لا تلقنيهم كلامًا فارغًا. الشر لا ينتصر. الله لن يسمح بذلك.

-الله لا يتورط مع الضعفاء غير الساعين!

فقالت وهي تشيح بيدها بحركة عصبية: كلام فارغ!

فأطرقت رأسي مرة أخرى أخفي ابتسامة كادت تفلت مني. كنت أحبها في عصبيتها وأتجنب قدر الإمكان أي جدل معها فهي نوبية عتيقة ذات رأس صلب.

ارتشفت قهوتها وعادت تكلمني بنبرة أكثر هدوءًا وتحايلًا: الخير ينتصر. هذه سنن الله.
تظاهرت بالإذعان. فانتهت المناقشة.

قصة حياة جدتي هي قصة انتصر فيها الخير. فكان لزامًا على امرأة مثلها أن تصدق. وكدت أصدق في ذلك وقتها.

(6)

صديقي ماثيو المثلي ينشر أربع تويتات متتابعة تقول أنه لا يصدق أن ترامب نجح في بلد مثل أمريكا!

حاول ماثيو أن يحدثني عن عقيدة الآميش وكنت أعرفهم من قبل في بعض الأفلام الأمريكية التي رأيتها، ولكنه أفهمني أشياء عن عقيدتهم جعلتني أعرف أنهم يعيشون خارج التاريخ.

وهم يعيشون خارج آلة الإعلام ومطاحن الكلام والأيديولوجيات، وهم مثل بعض سلفيينا لا يؤمنون بالتصوير أو حلق اللحية.

أنظر في علبة سجائري، وأفكر أن ترامب لن يكون سبب تدخيني لتلك السيجارة، أقول في نفسي أمريكا ليست البلد الوحيد في العالم الذي ستتحرش فيه بعضو امرأة علنًا ثم تصبح رئيسًا للجمهورية. العالم مكان بائس يا صديقي، تقبل الأمر!

(7)

كل ما أتمناه هو أن يعود يوم واحد من تلك الأيام التي كنت أجلس فيها مع "ستي" لتحدثني عن عالمها الصغير. أن أضع رأسي على حجرها الواسع وهي تحكي لي عن "أبو العين" الذي يرى العالم بعين واحدة و"أبو خطوة" الذي يلف العالم برجل واحدة، وكيف أن لعنتهما معًا ستنتهي حين لا يبقى في العالم سوى مكان واحد، يضع فيه الواحد عينه وخطوته. كم كانت الحلول سهلة يا "ستي"!

ونحن متى تنتهي لعنتنا؟ حين تنتهي الأيديولوجيات والزعماء ورجال الدين والحملات الانتخابية والمارشات العسكرية ورصاصات الصيد؟

ماذا يضر العالم لو أنكِ تعودين من الموت يومًا واحدًا نشرب فيه سويًا القهوة وأقسم أنني لن أجادلكِ حتى لو قلتِ إن الله يحب النهايات السعيدة!

تفاجئني ابنتي وهي تشير إلى علبة سجائري: هذا بخور يا ماما؟

فأهز رأسي بالنفي. وأخفي أسوأ عاداتي عن ابنتي.

هذه المادة نشرت من قبل على موقع " صوت ألترا "

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.