المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مها عمر Headshot

بين بغداد والنوبة: حكاية حب من طرف واحد

تم النشر: تم التحديث:

"1"

تمسح جدتي وجهها العجوز بيديها الذابلتين وهي تحكي لي عن تلك الطفولة التي لن تنساها في بلادها الأولى "النوبة".
تقول لي إنها سمعت شيخاً كبيراً ممن يجيدون "الرطان"، أي التحدث باللغة النوبية، سمعته يقول إن كلمة "نوب" تعني الأصل.

كانت كلما تمشينا في السوق -وقت أن كانت بصحة جيدة للمشي- إذا رأت وجهاً أسمر تقول: "يمكن أن يكون فاديجا"، أي من الفاديجا، وهي إحدى السلالات التي سكنت منطقة النوبة، أو أنه من الماتوكية، وهي السلالة التي تنتمي إليها ستي، وهي قبائل من أصل عدناني هاجرت إلى مصر واستقرت في الصعيد وفي أسوان.

جدتي من بلدة صغيرة من بين الخمس عشرة قرية التي تشكل النوبة المصرية، وهي قرية "مصمص"، وينطقها النوبيون "مصمصا".

تذكر جدتي غابات النخيل التي كانت بطول شواطئ القرى والتي لا يكاد يفصل بينها سوى طرق ضيقة يسلكها الناس إلى شاطئ النيل، وتذكر حكاية أخيها "عوض" الذي كان لا يحلو له النوم إلا وسط النخيل، وكيف غاب ذات مرة وخرجت أمها للبحث عنه ولم تجده، والعلقة الساخنة التي أصابته منها عند عودته لها فجر اليوم التالي ذاهلاً متسخ الجلباب.

تقول جدتي: أمي كانت قوية، وكان لها عرق نافر في منتصف جبهتها ينفر فوراً إذا ما استبد بها الغضب. وكان لها حاجبان طويلان كالقوسين، وشفتان عريضتان تنفرجان عن ضحكة واسعة وكان اسمها "سكينة جاسر".

تقول جدتي: لم نكن نملك طيوراً، النوبيون في بيوتهم القديمة كان يتبادلون الطيور والحمام في الأعراس، لكنا كنا نملك عنزتين شربنا لبنهم زمناً.
ولم يكن هناك في قريتنا سوى مدرسة ابتدائية واحدة كان أخي عوض يذهب إليها مع أبناء عمومته بكر وحسن.

"2"

هاجرت جدتي مع أهلها إلى الإسكندرية قبل السد بقليل، وتزوجت في الإسكندرية من ابن عمها كما هو متعارف عليه، وكان أفندياً (موظفاً) يعمل في الحكومة.

لا تنسى جدتي شيئاً يتعلق بطفولتها والبلح وأطباق الجريد و"العنجريب" أو السرير النوبي المصنوع أيضاً من الجريد، لكنها تنسى كلما تعلق الأمر بما جرى في الحياة بعدها وكيف تكيفت على الإسكندرية.

كانت جدتي تحب الإسكندرية حباً جماً وتراها وطناً لا مستقراً مؤقتاً رغم التهجير، وكانت كلما سافرت عند أحد من بناتها اللاتي أقمن في أصقاع الأرض المختلفة عادت إليها تتنفس الصعداء.

أذكر كيف عادت أواخر أيامها إلى بيتها وهي تصعد السلالم بصعوبة وتقول: "لقد جئت لأموت هنا".

كانت جدتي تقيم في بيت من ثلاثة طوابق في حي محرم بك الشهير في الإسكندرية حيث يكثر النوبيون.

كانت شقتها في الدور الثاني ومعظم ساكني العقار من أقاربها النوبيين فيما عدا الدور الأرضي فقد سكنته عائلة مصرية عادية.

ذات مرة سألتها سؤالاً كنت أظنه كان كبيراً على وعيها، وهو أي الأوطان أحب إليها؟ فقالت لي: تحت الأرض المغمورة بالماء -وتقصد النوبة القديمة- تركنا بيوتنا وأجساد الأجداد ووصفات الجدات والحكايات وأرضاً كنا نعدها كلها بيتاً.

أما هنا فقد ربيت أولادي وزوجت بناتي وحملت أحفادي وشفت الدنيا، الدنيا الواسعة الكبيرة التي عرفت أنها أكبر من نخلات القرية ومن بيت أبي ومن حوش الدار.

لم أسألها إن كانت تحلم بالعودة، لكنها كانت ترى في التهجير ظلماً، وكنت كلما ذكرته لها غالبها دمغ غاضب صامت لم تبح بكلامه لي، كنت أعرف أنها بالطبع تريد العودة.

إذا صادفت جدتي في السوق امرأة نوبية فتحتا بئر الكلام إلى ما لا نهاية، وكأن النوبيين يتبادلون فيما بينهم "كوداً" لغوياً لا يفهمه الناس العاديون رغم أن الكلام عادي جداً.

إذا زارنا ضيف فإن الاستضافة النوبي هي أول شيء نقدمه للضيف: الترمس والكركديه، أما الشاي النوبي فهو شاي ثقيل به قليل من الحليب، يصبح لونه بالنهاية أسمر كلون بشرتهم.

"3"

ماتت جدتي وتزامن موتها مع سقوط العراق، وكنت أربط بينهما دون وعي، كانت هزة ثقيلة على وجداني، جدتي والعراق في عام واحد!
كنت أرى التظاهرات في شوارع القاهرة وكأنها كتائب الجنازات على ما سيحل بمستقبل هذا البلد، وعلى سكون جدتي أيضاً تحت التراب، وربما لأنها قبل وفاتها استضافت شاباً عراقياً في الطابق العلوي جاء مع عمه هرباً من بطش صدام.
من وقتها كانت العراق في وعيي هي ستي، ضياعها كان ضياع ذاكرتي.

وقد أتيت على ما كتبه المؤرخ الفلسطيني عن العراق في أجزائه الثلاثة، وقرأت عن موسيقاها وعن أكلات شعبها وكان شوارعها وأهلها وأيام عزها، حتى أصبح حباً من طرف واحد. لا تفسير له ولا معنى له، هكذا توافق تواريخ، فهي ليست فصيحة كالشام فيسمعها الناس ويقبلون عليها، وهي مظلومة مذ خلقها الله لا شيء فيها طبيعي سوى سويعات في بطن التاريخ المتقلب ثم تعود ثُقل كاهل التاريخ بحكامها المتجبرين وبالأزمات والمحن.

تقول مي مظفر في مقدمة كتابها الذي كان بمثابة ذكريات عن سيرتها الذاتية في بغداد:
"لا توجد مدينة مثل بغداد يتداخل فيها الأسطوري بالواقعي، وقليلة هي المدن التي تحتل مكانة في الخيال والذاكرة الجمعية كما هي بغداد، مدينة حاضرة غائبة، لا تعمر إلا من أجل أن تخرب.. ما بقي منها، وما يبقى روايات تخزنها أسفار التاريخ وما تنسجه الذاكرة من أحداث جسام، وما الحاضر إلا فصلاً جديداً من فصولها، ولكنه فصل مروع فاق فيه الواقع كل خيال".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.