المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مها عمر Headshot

إلى رضوى: على ناصية الكتابة

تم النشر: تم التحديث:

"1"

ما زلت لم أنتهِ من قراءة كتابها الرحلة، وأرى كيف اتفق مزاجي مع كثير من صفحاتها التي قرأتها، أدوّن هنا ملاحظة وأخطّ بين تلك السطور سطراً.

لو أنَّ رضوى كانت تكتب أمامي لثرثرت معها عن رحلتها التي قامت بها إلى أميركا لنيل شهادة الدكتوراه أوائل السبعينات، كنت سأحدثها عن رحلتي التي قمت بها في 2008 إلى طليطلة في إسبانيا لمدرسة المترجمين تحديداً، كنت غضة في أوائل العشرينات وكان الحنين جارفاً وطازجاً وحراً، وكان الشجن أقل مرارة بكثير من سنوات الشيب المبكر التي يعانيها كل مَن يعيش هذه الأيام.

"2"

تقول رضوى في كتابها عن الرحلة: إنها كانت تغالب الخوف. كانت رضوى الفتاة الوحيدة بين إخوة ثلاثة من الذكور، وكانت ترمي نفسها في كل مسؤولية، آملة أن تنال شرف الشجاعة، فلا تُنسب كل فضيلة لغيرها كونها أنثى.

أما أنا فكنت الأخت الكبرى التي تخرج من حظيرة الرعاية المنزلية إلى العالم، منحني والداي ثقة ضخمة لا تحظى بها أنثى مثلي وفي ظروفي.
كنت ودودة مع الغربة، وكانت قاسية معي، ست سنوات قضيتها في القاهرة بعد تخرجي، ثم ثلاثة أشهر في طليطلة، كان الخوف نابعاً من تربيتي الكاثوليكية في مدرسة الراهبات التي نشأت بها، كان من ألا أكون قدر الثقة فيتندر بي أهلي، كنت امرأة في ثوب طفلة، حافظت على وحدتي ومساحاتي الضيقة ودفنت وجهي في الكتب والقراءة.

الركض الذي عاشته رضوى صغيرة وشابة وامرأة ناضجة، ركضته خوفاً من الفشل، كنت لا أتحمل الفشل ولا أستطيع أن ألجأ للتحايل، ليس فقط من أجل ما أعتنقه من قيم، بل لأنني فاشلة في المراوغة، فلم أجدها لا في عملي ولا في دراستي.

"3"

"يصر الرجل الأحمق وأنا متعبة، أقول لنفسي إنه أحمق لا يتصور معنى أن يرسل للقاهرة بأن دهمتني سيارة، لن أجيبه! تضايقني رجرجة السيارة لماذا حملوني هكذا ممدة على ظهري.. أغمض عيني" تقول رضوى في الرحلة.

مرت ثلاث ساعات وأنا أحاول أن أخفض درجة حرارتي دون فائدة، تحممت مرتين دون فائدة، سألت ريتا زميلتي الإسبانية: هل يوجد مشفى قريب من هنا؟ أظنني أعاني من الحمى. أجابتني نعم. كان المشفى اسمه "لابيرخن دي لا سالود"، أي عذراء الصحة، ركبت الأتوبيس الذي يمر من هناك، مشيت ممراً قصيراً يبدو أنه مبنى الحمامات كانت تطل منه رائحة كريهة، ثم دخلت المبنى، حكيت لموظفة الاستقبال ما أعاني منه تحديداً، نادتني الموظفة مرة أخرى: أوراقك لا تقول إنه يجب أن تتعالجي هنا فمن هو طبيبك في التأمين الصحي؟ قلت لها: لم تصلني الأوراق بعد! فقالت: الكل يهرع إلى هنا حين يصيبه شيء، لكن هذا ليس جيداً، ارتاحي حتى يناديكِ الطبيب.
فحصني الطبيب، أعطاني خافضاً للحرارة وقال لي: أنتِ مصابة بإنفلونزا الخنازير. تذكرت تعبير صديقتي العراقية "جميلة"، حين تقول اندهشت، كانت تقول "صفنت"، نعم صفنت للحظات، فقال بسرعة: نريد أن نتأكد أن رئتيك بخير وأن كل شيء تمام، سأحولك لقسم الأشعة والتحاليل، ثم عاد وكأنه تذكر شيئاً: هل تتحدثين مع أهلك؟ فقلت له: نعم، فقال: إذن نرسل لهم! فقلت في نفسي: هل يدرك هذا الأحمق معنى أن أرسل للقاهرة أني مريضة بإنفلونزا الخنازير؟
ثم سألني: هل أنتِ حامل؟ فرددت رد الفتاة المتدينة المصرية العادي: لا لست متزوجة أصلاً "كنت وقتها لم أتزوج بعد". فأجاب: وما علاقة هذا بذاك؟ فتذكرت الفارق الثقافي الذي يتحدث عنه الطبيب، فقلت له: لا لست حاملاً!

ذهبت إلى قسم الأشعة فأدخلتني سيدة خمسينية إلى غرفة ضيقة وطلبت مني خلع ملابسي وارتداء زي شفاف مناسب للأشعة على الصدر، كنت في حالة غريبة من الخجل لأن الزي شفاف، فضحكت من نفسي، استعجلتني السيدة مستخدمة لفظ "ابنتي"، وهو غير شائع سوى بين السيدات العجوزات في إسبانيا.

ذهبت إلى غرفة مظلمة في منتصفها شاشة كبيرة منيرة قابلت طبيباً يبدو لاتينياً من ملامحه البرونزية، تجاوزت خجلي الريفي من ملابسي الشفافة، أما هو فقد تعامل باحتراف كامل. قال لي: هل أنتِ حامل؟ فقلت له: لا. ببساطة دون ربط ذلك بالزواج. فقال: خذي نفسي عميقاً وأخرجيه. هكذا عدة مرات حتى انتهى.

ارتديت ملابسي وانتظرت في صالة الاستقبال، كنت جائعة ومرهقة. علَّق لي الطبيب محلولاً، ورحل.

عدت آخر النهار إلى البيت، سألني أحد العاملين "كارلوس": هل أنتِ بخير؟ فقلت له: نعم تمام. صعدت غرفتي خلعت ملابسي، بكيت، ثم رحت في نوم عميق.

"4"

أغسل وجهي ثم أتأمل في المرآة: أرى شجر التي رأتها رضوى في أطياف، وألمح رضوى تقف خلفي مبتسمة، هل جننت؟ هل أصبحت رضوى تميمتي؟ تقف في عمري على كل المفارق، على ناصية الغربة، وناصية الأم الوحيدة، وناصية الكتابة، وناصية حكاية، كلما قرأت لها ذكرت نفسي، كلما غرقت في سطورها وجدت المتاهة تقود إلى سطر في عمري كنت قد نسيته وطويته.

هي سيرتي الذاتية أحكيها من خلال نص لرضوى أو كلمة لرضوى أو حادثة لرضوى، هذا ليس هوساً، بل ربما اشتياق، اشتياق توغل حتى خياشيم الذات.

فهل سنلتقط الصورة معاً مرة أخرى؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.