المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مها عمر Headshot

عن الأمل

تم النشر: تم التحديث:

أحيانًا يكون الأمل خطيرًا . خطير كالأشياء المسننة و المدببة التي يحملها القراصنة في البحار ، لكنه وحده السبيل حين لا يكون سبيل غيره .

من وقت لآخر، و كلما شرد ذهني في التعقيدات التي نعيشها ، أتذكر زينب ، و أتذكر المشهد الأخير في مسلسل " تحت السيطرة"، مشهد عبقري عن مدمن يحكي قصته مع الإدمان قبل التعافي. كان لب المشكلة هو أنه كان يهوى أن يصل في الشيء إلى منتهاه.

الأمل لا يكون يكون خطيرًا حين نصل إلى منتهاه، صحيح أنه يتحول في يدنا إلى سلاح من ليس له سلاح، نتخبط به. نحارب طواحين الهواء. نتكثف. نستجمع قوانا الخائرة تحت وطأة الحزن و الصراع اليومي. الأمل يكون مُرًّا أحيانًا حين لا يكون غيره.

أعاود السؤال من جديد: هل انتحار زينب المهدي الشابة المصرية الناشطة محض يأس؟

هل أرادت لجيلنا حقا أن ينفلق حزنًا عليها؟ أم أرادت خيالًا أوسع للرحيل؟

هل أصبح كل شيء حولنا وحشي وعنيف للدرجة التي تجعل التغيير السلمي في مجتمعاتنا أمرًا مستحيلًا ومستبعدًا؟

هل التمسك بالسلمية و الاحتجاج مهدد بالزوال؟ هل كان الانتحار الصفعة المناسبة التي يجب أن يتلقاها مجتمعنا وجيلنا تحديدًا؟

و كأن زينب أرادت أن تجعل من قبرها لافتة احتجاج كبيرة لكل من لم يتسنَّ له أن يثور صارخًا أو محتدًّا.

انتحرت زينب المهدي الناشطة السياسية في نوفمبر الماضي. وتركتنا بتركة ثقيلة.

***
دراسة في لوس أنجلوس تايمز تعود إلى 2008 تشير إلى ارتفاع معدل وفيات الانتحار إلى 4200 حالة سنويًّا في مصر . أما في 2014 و حسب دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية عن معدلات الانتحار في مصر فبلغت 18 ألف حالة في العام الواحد. ارتفاع مرعب. الأمل هنا مفردة نبحث عنها في القاموس فلا نجد بجوارها كلمة خطير أبدًا .

بعض الدراسات تشير إلى أن النساء أكثر إقبالًا على الانتحار إلا إنهن يقمن في بعض الأحيان بمحاولات غير جدية. الدراسات الحديثة تشير إلى أن النساء يتم دفعهن دفعًا نحو الانتحار في بعض البلدان.

بعض السلطات تشير إلى نوعية الانتحار الذي قامت به زينب بأنه انتحار استعراضي. لا أفهم كيف يمكن للمزايدات أن تصل للموت، لكن هذا يشير إلى محاولات مستمية للبحث عن مبرر تافه لعمل غير تافه بالمرة.
***

في الصبح الباكر ، حين تقف حمامة على شرفة منزلك ، أو حين يرنو عصفور للشرب من آنية صغيرة قرب كرسيك في بلكون بيتك لا تصدر في العادة حركة أو صوتًا ضخمًا كي لا تجفله. بوادر الأمل تشبه حركة طائر عطش مد رأسه ليشرب.

هذا ما حدث تحديدًا مع جدات ميدان مايو في الأرجنتين.

مؤسسة جدات مايو التي تصدرت للبحث عن أحفادهن الذين تم اختطاف أمهاتهن و اغتصابهن في سجون الحكم العسكري وتم الاحتفاظ بهن في مكان ما حتى تحدث الولادة فيؤخذ الطفل إلى مكان غير معلوم أو لتربيه أسرة غير أسرته في ظل ما بات يُعرف بالحرب القذرة.

على موقع جدات ميدان مايو ، ترى الأمل متصدرًا كل المشاهد هناك. الأمل والقوة. وشيء يتجاوز الأمل إلى الفرح. فرح باستعادة الذات من ركام الاغتراب.

أسوق إليكم شهادات أؤلئك الأبناء الذين تم استعاداتهم وتعريفهم عبر جهود المنظمة وهي شهادات وضعت في عدة فيديوهات مصورة قصيرة :

جورجيلينا مولينا بلاناس، حفيدة مستعادة :

أردت أن أعرف القصة ، لكنها قصة بالنسبة لي بلا ذاكرة أو هوية لكني أردت .أعرف ما حدث مع عائلتي التي كانت تبحث عني، مع عائلتي البيولوجية

بدرو نادال، حفيد مستعاد :
طوال ما مضى من الوقت كنت أتساءل: ما السبب الذي جعلهم يتخلون عني، مرض مزمن؟ لم يرغبوا بي من الأصل؟ هل ضعت منهم؟

ليوناردو فوساتي ، حفيدة مستعادة :

أنا ممثل مسرح، وذات ليلة ارتجلت مشهد رحيلي الأخير من الحياة معلقًا بسؤال قلت فيه: ها أنا على أعتاب الموت ولا زلت لا أدري من أنا. حين أنهيت مشهدي التمثيلي وهبطت من خشبة المسرح سألتني زميلة: لماذا قلت ذلك؟

قلت لها: لأنني في الحقيقة أعاني هذا. أنا لا أعرف حقًّا من أنا.

فقالت لي: عظيم إذن عليك أنت تخرح للبحث عن هويتك.

مارييانا زافوريني، حفيدة مستعادة، تقول مصورة وفي خلفيتها صورة أمها بالأبيض و الأسود:

لا يمكن تجنب الألم في هذه الحياة، دائما نعيش الأشياء التي تؤلمنا، أن تعترف بحقيقة هويتك، هو أن تتعرف على ذاتك من جديد، فكرة التحول من مبحوث عنها إلى باحثة عن نفسها فكرة شاقة. أن تبدأ عملًا صعبًا كهذا من جديد ليس بالأمر السهل، لكنه مهم لأولادك ومهم لنفسك. أن تعرف من أنت الآن، ذلك هو عين الأمان.

.في البطاقة التعريفية لجدات ميدان مايو اللاتي استغرقن عقودًا في البحث عن أحفادهن الذين أصبحوا اليوم رجالًا ونساء، كتبن يقلن: "نعمل اليوم من أجل أحفادنا الذين أصبحوا اليوم رجالًا ونساء، الذين تُنتهك حقوقهم في معرفة هوياتهم الحقيقية، و من أجل كل أطفال الأجيال القادمة، ليحافظوا على جذورهم، وتاريخهم، ليكون ذلك ركيزة أساسية لأي هوية."

السعي، الاحتجاج، الانتحار أو مواصلة الحياة. كل اعتراض صامت أو صاخب على الظلم و الاضطهاد. كل الجهود التي تجعل بعض أحلامنا حقيقة كلها ضرورية. لزينب و لجدات مايو ، للأمل ، للرحيل و للبقاء و النضال.

لا أحمل لها سوى الامتنان