المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ماجد حسين علي بكار Headshot

رحلتي مع "تبَّاع" الباصات المصري.. بعد سؤالي عن اسمه تغيرت علاقتنا!

تم النشر: تم التحديث:

خطّ سير الباص قصير، يبلغ نحو سبعة كيلومترات، لكنه يستغرق نحو نصف ساعة أو أكثر حتى الوصول إلى بوابة الجامعة، من خلال الركوب والنزول المتكرر، وخلال هذه المدة المتكررة يغدو الكنترول هو الآمر الناهي داخل الباص، فهو المسؤول عن إركاب الركاب وإنزالهم، وهو ينظّم عملية الجلوس داخل الباص، وينقل الركاب من كرسي إلى آخر، كما يفعل لاعب "التتريس"؛ لكي يحافظ على الطاقة الاستيعابية للباص، وعلى الاحتشام والأخلاق داخله، فحتى السائق يلتزم بأوامر الكنترول، مكتفياً بالانتباه للشارع وما حوله من سيارات.


ومع الأيام تتعدى سلطة الكنترول ومعرفته إلى أشياء أخرى، فيرتبط بعلاقات مع الركاب المنتظمين، ويعرف أوقات صعودهم، وأماكن نزولهم، ثم تتعمّق معرفته بالعلاقات بين الركاب، خصوصاً الطلاب والطالبات، وقد ينسج شبكة من العلاقات يكون هو محورَها ومركز الاتصال والسيطرة وتبادل المعلومات فيها، حتى يصبح مركز معلومات متنقلاً لهذه العلاقات، ومستودَع أسرار عناصر هذه الشبكة المتنوعة.

حركته الدائبة بين الركاب وبسمته الدائمة لهم، وهو يوزّع الأماكن والأدوار، ويجمع الأجرة، ويلاطفهم ويمازحهم، أتاحت له هذه المعرفة والتشعّب والانسجام معهم والانخراط في هذه العلاقات.

كنتُ واحداً من هذه الشبكة المتنوّعة لدى الكنترول (أبو اللطف)، الذي سألته مرّةً، والباص فارغ ينتظر ركاباً: أبو اللطف، ما اسمك الأصلي؟

ضحكت عيناه وابتسم: "تصدّق، أنت أول واحد يسألني هذا السؤال! ويمكن ما حدا بيناديني به إلا أمّي.. اسمي لطفي"!
فابتسمت أكثر وقلت له: "عاشت الأسامي.. تسمح لي أناديك به"، فقال: "ربي يسعدك، بكلّ سرور".

ومنذ ذلك اليوم ازدادت علاقتي به متانةً، وصرت أدخل في صميم حياته الشخصية، حتى استجوبته يوماً: يا لطفي، هل أحببتَ أحداً؟! أو بصيغة أكثر وضوحاً: هل أحبّتكَ واحدةٌ؟
تجهّم وقطب جبينه، وقال: ليس بَعْدُ.

قلت مستغرباً: كل هذه العلاقات والمعارف، ولم تحبَّ أحداً؟!
قال: أحبُّ الجميع، لكن لم يعبّر لي أحد عن حبّه أبداً.
واسَيْتُه قائلاً: لكَ اللهُ.

في اليوم التالي وجدته ينتظرني بلهفة وشوق، ليقول لي: لمْ أنَمْ جيّداً هذه الليلة، فقد أويتُ إلى فراشي بعد يوم متعبٍ وحيداً، أحدّق في الفراغ والظلمة، وأحدث نفسي: لمَ لا يحبّني أحد؟!
* وإلامَ وصلتَ؟
- لم أصل إلى إجابة، لكنني وصلت إلى قرار.
* خيراً؟
- قرّرت أن أغيّر عملي هذا.

بحلقتُ فيه وقلت: عزيزي لطفي.. من تعوّد على العطاء لا يهمّه تغيير الأماكن.
هزَّ رأسه موافقاً، وقال: هذا آخر يوم لي على الباص، وأردتُ أن أودّعكَ أنت ومن يعزّ عليَّ، وأريد أن أعرّفك إلى الكنترول الجديد إسماعيل (سمعة)، ونادى عليه ليسلّم عليَّ.

مضت أكثر من ثلاث سنوات لم أرَ فيها لطفي (أبو اللطف)، فلقد غيّر حتى هاتفه النقّال، لكنني لقيته يوماً في العقبة قرب الشاطئ الجنوبي، يسوق باصاً صغيراً، فنزل مسرعاً وعانقني بلهفة واهتمام، وهو يقول: هذا الباص لي، فأنا سائقه وكنتروله!
أمسكت كتفيه بين يدي، وقلتُ له: ممتاز يا لطفي، فقال باعتزاز: "ناديني أبو ياسر".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.