المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي سعيد Headshot

قصص ومعان "10"| إحسان وإقبال.. ومافيا سخرة الأطفال

تم النشر: تم التحديث:

الاستبداد والفساد والإفساد في الأرض ظواهر تتحالف في دنيا الناس أينما كان موقعهم على خريطة الأرض، فحيثما تواجد الاستبداد تواجدت إلى جواره مافيات الفساد والإفساد، وأينما تواجد هذا الثلاثي أثمرت أشجار الزقوم في أرضه استعباداً وسخرةً أياً كانت أشكالها أو مجالاتها، وما المسوخ الراقصة في السيسيلاند إلا شكل من تلك الأشكال.

لكن قصتنا اليوم جرت أحداثها في بقعة أخرى من بقاع أرضنا اسمها الباكستان، وأبطالها صحفي ناضل لعقود ضد سخرة الأطفال في أماكن العمل اسمه "إحسان الله خان"، فكان جزاؤه الاعتقال والتعذيب حتى فقد السمع في إحدى أذنيه، ثم النفي، وطفل كان ضحية لتلك السخرة حرره الأول منها، فكان جزاء هذا الطفل الاغتيال، حتى صارت قصته أيقونة لسخرة الأطفال في أماكن العمل بالعالم، واسمه "إقبال مسيح"، هل يبدو أنني سأحكي لكم قصة كئيبة حزينة تبعث على اليأس؟ اللهم لا.. فالقصة مليئة بالنجاحات الكثيرة، لكنها نجاحات ذات ثمن، فإلى القصة:

محمد إحسان الله خان Ihsan Ullah Khan صحفي باكستاني من مواليد جوادار بإقليم بلوشستان عام 1947، درس الصحافة في جامعة البنجاب بلاهور، ومنذ أن كان طالباً بدأ في تنظيم عمال قمائن الطوب للتمرد ضد أوضاع العبودية، وذلك بعد لقائه أحد هؤلاء العمال ويدعى بابا كآلا والذي علم منه بخطف أصحاب القمائن لبناته لأنه لم يستطع سداد القسط الشهري للدين الذي تكبده هذه الرجل المسن، وهو ما دفع خان لتأسيس جبهة عمال قمائن الطوب عام 1967، التي لم تكتف فقط بتنظيم الفعاليات الاحتجاجية ضد أوضاع تلك العمالة، ولكنها شكلت لجنة لتوفير المساعدة القانونية من أجل توفير حقوق الإنسان الأساسية لعمال السخرة في قمائن الطوب لأول مرة في جنوب آسيا.

وفي عام 1987 استطاع حشد هؤلاء العمال لرفع قضية أمام محكمة العدل العليا في باكستان، وكان من نتائج ضغوط إحسان وجبهته صدور قرار المحكمة عام 1988 بأن نظام عبودية الدين باطل وغير قانوني، وهو نظام معمول به ليس فقط في قمائن الطوب بل في مجالات أخرى كالزراعة وصناعة السجاد وعمال المناجم.

في هذه الأثناء التقى خان مع كايلاش ساتيارتي Kailash Satyarthi المناضل في مجال حقوق الأطفال العاملين في الهند (والحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2014)، الذي نصحه بأن يوسع جبهته لتشمل أشكال الاستغلال في الصناعات الأخرى، الأمر الذي أدى عام 1988 إلى تأسيس جبهة تحرير العمال المستعبدين (Bonded Laour Libration Front (BLLF، وهي المنظمة التي نجحت في إطلاق سراح ما يجاوز 100 ألف من هذه العمالة في بلاده، في عام 1992 قامت تلك الجبهة بتحرير الطفل إقبال مسيح Iqbal Masih (ضمن 40 ألف طفل باكستاني آخر).

كان إقبال قد وُلد عام 1983 في مورينكي، وهي مدينة تجارية خارج لاهور، وفي سن الرابعة بيع لعبودية العمل اضطراراً وقسراً من قبل عائلته، حيث اقترضت العائلة 600 روبية من صاحب العمل (أقل من 6 دولارات)، وفي المقابل كان مطلوباً من إقبال أن يعمل في حياكة السجاد إلى أن يتم تسديد الدين، حيث كان يستيقظ قبل الفجر ويشق طريقاً ريفياً مظلماً إلى مصنع السجاد، حيث كان يتم ربطه هو وباقي الأطفال في المصنع لمنعهم من الهرب، لمدة 12 ساعة يومياً، 7 أيام في الأسبوع، مع استراحة لمدة 30 دقيقة فقط، ويدفع له 3 سنتات يومياً لسداد الدين، الذي مهما فعل لسداده، يزداد حجمه يوماً بعد يوم.

وفي سن العاشرة هرب إقبال من العمل بعد علمه بقرار المحكمة العليا بعدم قانونية عبودية العمل التي يعيش فيها، غير أنه تم القبض عليه من قبل الشرطة وإعادته إلى صاحب العمل، غير أنه استطاع الهرب مرة ثانية والالتحاق بالمدرسة التي افتتحتها جبهة تحرير العمال المستعبدين للأطفال الذين عانوا من عبودية العمل سابقاً، وأكمل مواد 4 أعوام من التعليم في عامين فقط، وساعد إقبال 3000 طفل آخر على الهروب، وألقى العديد من الأحاديث حول عمالة الأطفال في جميع أنحاء العالم بمساعدة إحسان خان، وكان يأمل في إكمال تعليمه ليصبح محامياً للدفاع عن حقوق أمثاله من الأطفال.

وفي عام 1994 حصل هو وإحسان على جائزة ريبوك لحقوق الإنسان في بوسطن، وقال في كلمته: أنا واحد من الذين يعانون في باكستان من السخرة وعمالة الأطفال لكنني محظوظ لوجود جبهة تحرير العمال المستعبدين فقد صرت حراً والتحقت بمدرستها التي أدرس فيها الآن، ووصف ما يقوم به إحسان خان بما قام به أبراهام لينكولن في أميركا من تحرير العبيد.

وفي السادس عشر من أبريل/نيسان عام 1995 تم اغتيال هذا الطفل، بعد وقت قصير من عودته من الولايات المتحدة، وكان يبلغ وقتها 12 عاماً، وألقى اغتياله الضوء على قضية عمال السخرة خاصة من الأطفال، وخلدت قصته في كتاب: البطل الصغير.. نضال صبي من أجل الحرية The Little Hero: One Boy's Fight for Freedom، كما خلدت قصته في عمل روائي خيالي باسم "إقبال"، وقد ألهم موت إقبال بعض المؤسسات الأهلية الدولية والمحلية تأسيس 20 مدرسة في باكستان.

وبعد اغتيال إقبال نفي إحسان إلى أوروبا ورفضت محاولاته المتكررة للعودة إلى بلاده، لكنه استمر في نضاله، فشارك في تأسيس جبهة عالمية لتحرير العمال المستعبدين عام 1996. ورغم صدور قرار المحكمة في لاهور عام 2001 بتبرئته من بعض التهم التي ألصقت به إلا أن الحكومة الباكستانية أبت إعطاءه حق العودة.

وفي عام 2015 عبر المناضل الهندي كايلاش ساتيارتي الحاصل على جائزة نوبل عن تقديره لنضال إحسان خان قائلاً: لم يعانِ أحد المناضلين من أجل حقوق الأطفال مثلما عانى إحسان، فهو الوحيد الذي نفي من بلاده بسبب نضاله ضد عبودية الأطفال، لقد ضحى بكل شيء من أجل تلك القضية، عائلته، ومهنته، وأصدقائه، وشبكة مدارسه في طول باكستان وعرضها، لقد تعرض للاعتقال 12 مرة، وتعرض للتعذيب ما سبب له صمماً جزئياً، واتهمته حكومته بالخيانة العظمى، وحكم عليه بالإعدام لأنه أذاع أن هناك أطفالاً من بلاده يعملون في شركات أجنبية.

هل تبدو القصة قاتمة؟ لا أرى ذلك.. هي قصة مفعمة بدراما الحياة وصراعاتها، فمن غير النضال لتحرير الملايين في بلادنا من جميع أسباب وأشكال وألوان السخرة والاستعباد لن نستطيع تحرير بلادنا من استبداد الحكام، فالنضالات الصغيرة وإن بدت قاسية ومميتة أحياناً، ففيما يبدو أنها الطريق الشرعي والوحيد لتحرير الأوطان.. عبر تحرير الإنسان.

لقراءة المزيد عن إحسان وإقبال طالع:

هنا
وهنا

وطالع أيضاً قصة فاطمة غلام.. مناضلة أخرى لتحرير عمال السخرة:

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.