المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي سعيد Headshot

قصص ومعان "9"| عبد الستار إدهي..الإنسانية في مجتمع منقسم

تم النشر: تم التحديث:

شكراً للفيديو الذي نشره موقع "الهافنغتون بوست عربي" حول الرجل، فرغم أنه كان كالكبسولة الصغيرة، فإنه كان كفيل بفتح شهيتي وإثارة شغفي لمعرفة المزيد حول الرجل، فلطالما تساءلت في نفسي: أليس في باكستان -كما في الهند وبنغلاديش- من تجارب أهلية ملهمة، وهي دول تتبع إقليماً ثقافياً واحداً وإن تعادت وتقاطعت وتدابرت.

وباكستان لمن يعرف أو لا يعرف وكما باقي بلاد الإقليم، بلد منقسم مجتمعياً بين أغلبية من المسلمين وأقلية من الهندوس، وبين أغلبية من السنة وأقلية من الشيعة، وبين مدارس فكرية مختلفة داخل إطار السُّنة، وبين قبائل وأحزاب متنافرة ومتدابرة، وفي تلك الأجواء الانقسامية يكون للخطاب الساخن -سياسياً كان أو دينياً- على كل جانب من جوانب الانقسام سحره وأثره في الجماهير، وما تلبث السخونة أن تصل إلى حد الالتهاب، وسفك الدماء، مما يعمق الانقسام ويجذره، ومن ثم فإنك إذا اخترت أن تمارس إنسانيتك العابرة لكل تلك الانقسامات تبدو غريباً ومنتقداً من اليمينيين في كل جانب، ورغم ذلك فإن هذا ما اختاره هذا الرجل الذي قارب التسعين من عمره، حتى إنه عبر في خطاب مضاد لليمينيات السياسية والدينية التي تقتات على الانقسام "ديني هو الإنسانية"، وفي رد على الملالي الذين قالوا إنه كافر لن يدخل الجنة، قال: "لا شك أنني لن أدخل مع هؤلاء الملالي والسياسيين، لكنني سأدخل من الفقراء والمساكين".

ولد عبد الستار إدهي Abdul Sattar Edhi في بانتفا بولاية غوغارات الهندية عام 1928، وعندما كان في الحادية عشر من عمره أصيبت أمه بجلطة دماغية أفقدتها الحركة وأصابت عقلها، فظل يمرضها حتى توفيت وهو في التاسعة عشرة من عمره، وهو العام (1947) الذي حدث فيه انفصال باكستان عن الهند، واضطرت أسرته إلى الهجرة، حيث عاش في كراتشي بباكستان، وهناك التحق بأحد دكاكين البيع بالجملة، كبائع متجول، ثم كوكيل لبيع الأقمشة بسوق الجملة في كراتشي، وبعد بضع سنوات أسس مستوصفاً مجانياً بمساعدة من المجتمع، كان أساساً لمؤسسته الخيرية التي أنشئت عام 1957، وبدأت بغرفة واحدة وسيارة إسعاف قديمة؛ لتصبح بعد ستين عاماً من العمل أكبر مؤسسة خيرية في باكستان، ذات فروع وأعمال خيرية وإغاثية في أكثر من بلد، تشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واليابان وبنغلاديش.

من أهم ما اشتهرت به المؤسسة خدمة الإسعاف الطبي؛ حيث تمتلك المؤسسة -وفق إحصائية في مارس/آذار 2016 (18) ألف سيارة إسعاف في جميع أنحاء باكستان، وطائرتين ومروحية، و28 قارب إنقاذ، وتتلقى المؤسسة 6 آلاف مكالمة لطلب خدمة الإسعاف يومياً.

كما تقدم المؤسسة عدة خدمات طبية، حيث تدير 8 مستشفيات مجانية، وعدة مستشفيات للعيون، ومراكز لمرضى السكر، ووحدات جراحية، ومستشفى صغيراً للسرطان، وعدة مستوصفات متنقلة، فضلاً عن بنكين للدم في كراتشي وحدها، كما تضم المؤسسة قسماً للخدمات القانونية المجانية التي أسهمت في إطلاق سراح آلاف السجناء، كما يقوم الأطباء التابعون للمؤسسة بزيارة السجون بشكل منتظم، كما توفر المؤسسة الغذاء والضروريات الأخرى للسجناء، كما أن هناك 15 مركزاً تابعاً للمؤسسة باسم "بيتنا" تقدم خدمة الإيواء للأطفال المعوزين والهاربين ومرضى الذهان، كما تدير عدداً كبيراً من مراكز رعاية الأطفال مجهولي النسب باسم "مهد الأطفال" تضم ما يقرب من 20 ألف طفل، إضافة إلى عدد من دور الأيتام تضم 50 ألف يتيم، كما تقدم المؤسسة خدمات تعليمية في محو الأمية والتدريب المهني على قيادة السيارات، والمهن الطبية والصيدلانية المعاونة والتمريض؛ حيث قامت بتدريب 40 ألف ممرض وممرضة، فضلاً عن ذلك تدير المؤسسة 330 مركزاً للرعاية في ريف وحضر باكستان، تقدم الطعام والمأوى وإعادة تأهيل النساء والأطفال المهجورين، وتطبب المعاقين ذهنياً، فضلاً عن ذلك قامت المؤسسة بأعمال إغاثية في كل من إفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة القوقاز وشرق أوروبا والولايات المتحدة (أثناء إعصار كاترينا).

على الرغم من كل هذه الأعمال، وعلى الرغم من حصوله وزوجته ومؤسسته على عشرات الجوائز والتكريمات المحلية والدولية، فإن الرجل وزوجته بلقيس -الممرضة والمدير المشارك للمؤسسة التي تشرف على كل ما يتعلق بالنساء والأطفال فيها- لا يزالان يقيمان في مسكن من غرفتين فوق إحدى دور الأيتام، ولا يمتلك إلا زوجين من الملابس الباكستانية التقليدية، ولا يتقاضى مليماً نظير أعماله في إدارة المؤسسة، ونظراً لإصابته منذ يونيو/حزيران عام 2013 بفشل كلوي يستلزم معه غسيلاً دائماً، فإن أبناءه الأربعة يساعدونه الآن في إدارة المؤسسة، فضلاً عن آلاف الموظفين والمتطوعين.

لعل أفضل معنى يمكن أن تخرج به من قصة هذا الرجل البسيط الذي صار واحداً من أعظم رجال الخير والعطاء في باكستان والعالم إلا المعنى الذي أراده، وإن كان بألفاظ مختلفة: الدين الحقيقي هو أن تمارس إنسانيتك كاملة في كل ما تفعل، ليس فقط مع كل إنسان، بل مع كل كائن حي، وإلا فقولوا لي ما معنى قول المولى عز وجل: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).
للمزيد حول الرجل والمؤسسة طالع "الويكيبيديا":

وطالع موقع المؤسسة

وشاهد فيلماً تسجيلياً عنه:

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.