المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي سعيد Headshot

قصص ومعاني "2" بيرتا كاسيريس.. ضحية تزاوج الثروة والسلطة

تم النشر: تم التحديث:

حينما تقرر أن تناضل من أجل البيئة وحقوق الإنسان -أحدهما أو كلاهما- في إحدى جمهوريات الموز بالعالم الثالث، فأنت تغامر بحياتك بكل تأكيد، فإما أن تخيب المحاولة كما حدث مع "وانجاري ماثاي" في كينيا سابقاً، أو أن تصيب المحاولة كما حدث مع "بيرتا كاسيريس" Berta Caceres المناضلة الهندوراسية، والتي اغتيلت أمام بيتها في وضح النهار، صباح يوم الخميس 3 مارس/آذار الماضي، بعد تلقيها تهديدات بالقتل، لوقوفها ضد تأسيس أكبر مشاريع السدود في بلادها، وربما في القارة.

"كاسيريس" المولودة يوم 4 مارس 1973، والمتحصلة على شهادة جامعية في التعليم، هي قائدة لشعب "اللينكا" Lenca People أحد الشعوب الأصلية لأميركا الوسطى، والذين ينقسمون بين كل من هندوراس (100 ألف)، وإلسلفادور (37 ألف)، وهي عضو مؤسس في مجلس المنظمات الشعبية والأصلية في هندوراس والمعروف اختصاراً باسم كوبيناه COPINAH، والذي تأسس في 27 مارس 1993. شاركت كاسيراس وقادت عدداً من الحملات طوال حياتها، سواء ضد قطع الأشجار غير القانوني، أو ضد أصحاب المزارع الخاصة، أو ضد وجود قواعد عسكرية أميركية على أرض "اللينكا" أو دعماً لحقوق المرأة، وطيف آخر واسع من القضايا الاجتماعية والبيئية العامة أو الخاصة بشعب "اللينكا".

في عام 2006، لجأ إليها بعض من شعب "اللينكا" الذين يسكنون في ريو بيانكو، حيث أفادوا بوصول معدات بناء إلى منطقتهم، وعندما تقصت "كاسيريس" الأمر تبين أن تحالفاً يضم عدداً من الشركات الدولية والمحلية لديه خطط لبناء أربعة سدود على نهر جوالسارك Gualcarque River دون استشارة أهل المنطقة المحيطة بالنهر، بما يخالف القانون الدولي، وبما يؤثر على حقوق هؤلاء السكان في الحصول على الماء والغذاء والدواء، وبما يهدد طريقتهم التقليدية في العيش، ومن ثم عزم المجتمع المحلي على القيام بحملة ضد السدود، نظمتها "كاسيريس"، والتي أخذت القضية إلى لجنة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان، والتي قضت بحق شعب "اللينكا" في الاحتجاج.

وخلال عام 2013 قادت "كاسيريس" المجتمع المحلي في سلسلة من الفعاليات الاحتجاجية لمنع الشركات المشاركة من الاقتراب من أراضيهم استمرت طوال العام، مما أدى لانسحاب الشركات الدولية، وبقاء الشركة المحلية فقط، وقد تعرض المحتجون للإزالة من قبل الجيش عدة مرات، كما تعرض العديد منهم لتلفيق القضايا والحبس. وخلال ذلك العام وفي لقاء لها مع الجزيرة قالت "كاسيريس": الجيش لديه قائمة اغتيال تضم 16 من مناضلي حقوق الإنسان، واسمي موجود على قمة القائمة، وأنا أريد أن أعيش، فلا زال لدي الكثير لأفعله في هذا العالم، لكني لن أيأس أبداً من الدفاع عن منطقتنا، من أجل الحياة بكرامة لأن نضالنا نضال مشروع، أنا آخذ احتياطاتي كثيراً، ولكن في النهاية، في هذا البلد، حيث يفلت الكثيرون من العقاب، فأنا معرضة للخطر، وحينما يريدون قتلي سيفعلون".

وإذا كان تحالف السلطة ممثلاً في الحكومة والجيش والثروة ممثلاً في رجال الأعمال، لم يرد قتلها ذلك العام، ومن ثم استمر نضال "كاسيريس" لثلاثة أعوام أخرى، إلا أن حملة الاغتيالات كانت قد بدأت حتى طالت أكثر من مائة من مناضلي حقوق الإنسان خلال أعوام 2010 - 2014 فقط، أغلبهم من السكان الأصليين، وكان ريو بلانكو، والذي اغتاله ضابط في الجيش يوم 20 فبراير/شباط الماضي، خلال مشاركته في احتجاجات انتهت بمواجهات مع الجيش والشرطة والبلدية وعمال من الشركة المحلية هو الحلقة قبل الأخيرة في هذه السلسلة، بينما كانت "كاسيريس"، والتي اضطرت لتغيير سكنها إلى سكن كانت تظن أنه أكثر أمناً، هي آخر سلسلة الاغتيالات تلك.

كانت "بيرتا كاسيريس" قد حصلت على ثلاث جوائز خلال الأعوام من 2012 إلى 2015، وهي جائزة جمعية العدالة والسلام الكاثوليكية عام 2012، وجائزة مؤسسة فرونت لاين ديفيندرز للمدافعين عن حقوق الإنسان Front Line Defenders عام 2014، وجائزة غولدمان إنفيومنتال Goldman Environmental Prize عام 2015، وفي لقاء مع صحيفة الغارديان قالت لدى تسلمها تلك الجائزة الأخيرة: يجب أن نأخذ هذا النضال إلى جميع بقاع العالم، أينما كنا، لأنه ليس لدينا كوكب آخر أو بديل يمكننا أن نذهب إليه، لدينا فقط هذا الكوكب الذي نعيش فيه، وعلينا أن نقوم بواجبنا تجاهه".

قصة النضال والنهاية المأسوية له، هي مشهد متكرر في جميع بقاع العالم، خاصة حينما يقترب النضال من المناطق الحمراء لتحالف الثروة والسلطة، وهي تمثل اللب الحقيقي لنضال الإنسانية ضد تغول الفساد المسلح والمقنع بقناع السلطات "القانونية"، والتي تتحول في تلك المناطق الحمراء إلى وحش كاسر، وهي المناطق التي تتقلص في بلدان الشمال المتقدمة وإن كانت لا تختفي، وتتسع في بلدان الجنوب المتخلف حتى تكاد تملأ ساحات تلك البلدان بأكملها.

ويوم حدث ودخل الجيش في مصر في المشهد الانقلابي الذي كان يجري التحضير لها قبله بفترة، وتأكد أن هذا المشهد يأتي برعاية تحالف عريض من الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والمخابراتية إضافة إلى مجموعة من رجال الأعمال والبلطجية الخارجين على القانون.. حينما اكتمل هذا المشهد بدخول الجيش علانية وإسفارا بعد أن كان يحدث خفية في الخلفية، حينها أدركت ألا أمان لشريف أو مناضل أو حتى رافض صامت في هذا البلد، وأننا مقبلون على فترة من فترات جمهوريات الموز التي لا يعلم مداها إلا الله.

من ثم -وكما قلت في تدوينة سابقة - فإن الرهان على خطط وبرامج وإستراتيجيات التنمية الآتية من أعلى في وسط هذه الأجواء هو ضرب من الأوهام، أو أضغاث أحلام، كنا نتمنى أن نصدقها لطول شوقنا إلى التنمية والنهضة، لكن الأماني لا تصنع حقائق في أرض الواقع للأسف.

طالعوا المزيد حول قصة بيرتا كاسيريس هنا وهنا وهنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.