المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدى منصور Headshot

عن الانحيازات الاجتماعية للجنرال للرئيس!

تم النشر: تم التحديث:

لا يحتاج أي مُتابع أو مُهتم أو مُنشغل بالشأن المصري أي مجهود كي يقول بضمير مُستريح ونفس مطمئنة وعقل مقتنع، إن مصر اليوم ليست بخير. مصر اليوم مُجهدة، مُتعبة، مُرهقة، غاضبة، حانقة، متذمرة. مصر اليوم تنتابها لحظات ألم من ماضٍ قريب خُدعت فيه.

فمن تصريحات الرئيس السيسي من عيّنة "انتو نور عينينا"، و"بكرة تشوفوا مصر" حتى وصلنا لقوله: "اصبروا عليا ست شهور"، ثم تضاعفت المدة إلى طلب الصبر سنة ثم زادت المدة سنتين!

ومصر تنتابها اليوم كذلك لحظات يمتزج فيها الخوف باليأس من مستقبل مُظلم مجهول، تحتار في توصيفه وتشفق على نفسها وتجزع من استشرافه.

وهناك مَن فسر تلك الحالة، مثل الدكتورة لطيفة الزيات، بأن: "العقل المصري ليس في حالة أزمة؛ بل في حالة شلل"، والسبب في ذلك أن شعبنا "لم ينجح في تثبيت حقه في الحرية وفي الخبز".

وتضيف أنه "لا يمكن أن يزدهر فكر في ظل القمع أو في ظل الجوع، ثم إن جدب الفكر زاد من عمق التفرقة داخل الشعب الواحد، فالشعب المصري يعيش في عوالم فكرية مختلفة يكاد ينفصل بعضها عن بعض انفصالاً تاماً؛ بل إننا نجد متناقضات لا حد لها ولا حصر داخل الطبقة الواحدة، وهذا يخلق وضعاً شديد الخطورة؛ لأنه يستحيل معه وجود الانسجام الحضاري المطلوب".

ثم تُكمل قائلةً: اليوم "الفجوة تزداد اتساعاً بين الكلمة ومعناها؛ ومن ثم انعدمت القدرة لدى الرأي العام على التمييز بين الصدق والكذب، وبين الصواب والخطأ، وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة".

إن المناخ السياسي في مصر اليوم مُثقَل بالعجز حتى الشلل، والظلم الواصل للحسرة، والحيرة والتخبط حتى الشطط من أحداث وقرارات وتصرفات النظام الحاكم اليوم. فالسياسات التي ينتهجها النظام الحاكم اليوم، وعلى رأسه الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد أصابت المواطنين المصريين بحالة من الإحباط المتزايد. وذلك عائد حتماً لرؤية الرئيس وانحيازاته الاجتماعية، وذلك بدا جلياً وظهر واضحاً، ليس فقط من مردود سياسته الاقتصادية على الفقراء؛ بل ومن خلال تصريحاته مثل قوله: "محدش يقول لي هنجيب منين؟! أنا كمان أجيب منين؟".

وهو هنا يتناسى أنه رئيس دولة، والدولة لها دور اجتماعي يجب أن تؤديه تجاه الفقراء والمحتاجين، وليس رئيس شركة خاصة أو حتى تابعة لقطاع الأعمال مطروحة أسهمها في البورصة، هدفها الربح المادي!

وقد يقول قائل -وللقول منطق- إن الوضع الاقتصادي المصري الذي تسلَّمه السيسي كان وضعاً صعباً سيئاً ولم يكن هناك مفر من بعض التضحيات واتخاذ قرارات صعبة مؤلمة!

ولعل الشيء بالشيء يُذكر، فمصر حتى في أصعب لحظاتها، وقت أن كانت تحارب بيد وتبني باليد الأخرى في الوقت نفسه، لم ترفع الدعم عن الفقراء ولم تتجاهل المعدَمين.

وفى العلوم السياسية والاجتماعية معروف أن أي حاكم يحكُم يجب أن يُجيب عن سؤالين استراتيجيَّين يوضحان منهجه ورؤيته وطريقه الذي سيسير فيه؛ هما:
- هذا الحاكم باسم مَن يتكلم؟
- ولمصلحة مَن يحكم؟

ولا يستطيع أكبر مؤيدي الجنرال السيسي أن يتجاسر ويقول إن السيسي يحكم لصالح الفقراء والمعدمين؛ بل إن كل نظراته واتجاهاته وقراراته تصب في صالح الأغنياء المتخَمين بثرواتهم ورغباتهم ضد الفقراء المنسحقين تحت فقرهم وعَوزهم، وذلك تحت حُجة أننا نسير في طريق اقتصاد السوق؛ من أجل أن تقف مصر على قدميها وتنهض من كبوتها!

إن تلك الرؤية وتلك الانحيازات الاجتماعية من السيسي ضد الفقراء لها أسباب، منها ما هو ذاتي، ومنها ما هو موضوعي. ومن المعروف أن أي شخص يُقبل على العمل العام ويدخل ميدانه، يصل إلى هناك ومعه حمولاته الثقافية كاملة: وفيها الموروث بخصائص الطبيعة، وفيها المؤثر بالبيئة والتربية والقيم الموجهة، وفيها المكتسب بالعلم والمعرفة والتذوق، وأخيراً فوق كل ذلك المتراكم بالتجربة مع الحياة والناس والظروف.

ولعل ذلك الموقف والانحياز يمكن رده للأسباب الآتية:

الرجل من أسرة غنية؛ من ثم لم يرَ قسوة الفقر ولم يعِش حياة العَوَز (التي يتحدث عنها كثيراً في خطاباته وأحاديثه) أو يشعر بمشاعر الاحتياج - والشظف المادي.

- إن الرجل دخل إلى القوات المسلحة في وقت اقتحمت فيه المؤسسة العسكرية مجال الاستثمار في الأنشطة المدنية (لأسباب عديدة، ليس هذا وقت شرحها)؛ ومن ثم تشبَّع السيسي بمبادئ الرأسمالية وأفكارها عن الربح والخسارة بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى.

- إن بعثته الدراسية إلى الولايات المتحدة الأميركية، من المؤكد أنها تركت بداخله؛ ومن ثم رشحت إلى عقله الكثير من مبادئ اقتصاد السوق، مثل "إن آليات السوق تصحح نفسها بنفسها من دون تدخل"!، وأن "معالجة أخطاء النظام الرأسمالي لا تكون إلا بمنح المزيد من الحرية للرأسمالية"، "دعه يعمل دعه يمُر"! وفي النهاية، فإن النظام الرأسمالي لا ينظر إلى أي غاية إلا غاية الربح حتى ولو على أجساد الفقراء.

- إن السياسة المصرية منذ عام 1974، قد انتهجت المذهب الرأسمالي مع المحافظة على الشكل الاشتراكي، بالحديث عن مراعاة الفقراء ومحدودي الدخل، وبما أن السيسي قد أصبح هو الحاكم الآن فعليه الالتزام بالشروط والمعايير الموضوعة سلفاً من قِبل البيت الأبيض الأميركي! والمنطق الموضوع أميركياً هو ترسيخ قيمة واحدة؛ وهي قيمة المال والثراء وليس قيمة العلم كمصدر وحيد للاعتبار الاجتماعي. ولكن السيسي قرر حتى إلغاء الشكل الذي يستر به الحقيقة الفجة الموجعة.


وهكذا، بدت المفارقة فوق السطح صارخةً، فأقوال الرئيس الغريبة أحياناً، والطريفة أحياناً، والمستفزة أحياناً، والعجيبة معظم الأحيان، تتناقض تماماً مع الوقائع على أرض الواقع، وكان التناقض أساساً بين الشعارات الطنانة المعلنة من أعلى والواقع البائس القلق المتفجر من أسفل. فمثلاً: في حين أن كلام الرئيس عن العمل والإنجازات التي لم تتحقق منذ عهود، كانت الوقائع على الأرض الصلبة صادمة وصارخة في الدلالة على عكس الأقوال، وحتى نتبين الصورة الآن، فالأرقام الرسمية تقول:

إنه بحساب حد الفقر (وهو 1.9 دولار للفرد في اليوم وهو أقل ما يكفي الفرد لسد احتياجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن. وأقل منه لا يستطيع المواطن سد حاجاته الأساسية). فنسبة الفقر كانت 25.2 % في 2011 قد زادت إلى 27.8% في 2015.

واشتعلت إلى 35% في 2017 (والكارثة الكبرى هي توزيع هذا الرقم؛ فهناك 56.7% من سكان ريف الوجه القبلي -أكثر من النصف- لا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية مقابل 19.7% بريف الوجه البحري).

بحسب حد الفقر المدقع، (وهو دولار واحد في اليوم وهو ما يكفي الفرد لسد جوعه وأقل منه من لا يستطيعون سد جوعهم)، نسبة الفقر المدقع كانت 2.3% قد زادت إلى 5.3% في 2011، واشتعلت إلى 7.8% في 2017.

تدنت أوضاع المرأة اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً في آخر 7 سنوات، ارتفعت نسبة البطالة إلى 12% خلال الربع الأول من العام الجاري.
وبالإضافة إلى ذلك، فمصر تحتل الآن المركز الثامن بين أسوأ 15 دولة بالعالم في توزيع الثروة، كما كشف تقرير أصدره بنك كريدي سويس، حيث يسيطر 10% من المصريين على 73% تقريباً من ثروة البلاد، و1% من الأغنياء يسيطرون على 48.5% تقريباً من هذه الثروة.
ويحصل 5% من الموظفين على 40% من إجمالي الأجور، و95% منهم يحصلون على الـ60% الباقية!

إن قوانين الحركة الاجتماعية تقول:
إن الصراع الطبقي قانون من قوانين الحركة الاجتماعية لا يمكن إبطال مفعوله، ولا تجميد تفاعلاته، وإن للفقراء حقوقاً لا يستطيع الأغنياء حبسها. ثم إن مخاطر الصراع الطبقي تزداد بمقدار ما تتزايد وتتسع الفوارق بين الطبقات.

وفى حالة مصر، وبالنظر إلى الأرقام السابقة، فإن الفجوة أصبحت شاسعة؛ ومن ثم فإن الخطر أصبح داهماً.

ووسط ذلك المناخ الحافل بكل أسباب الاستفزاز الاجتماعي والسياسي والمثقَل بالتناقضات وأسباب الشك والحيرة والقلق، وتضارب في القيم الاجتماعية والثقافية، وتخبّط في السياسات الاقتصادية والاجتماعية أصبح الجميع غاضباً، وموجات الغضب تعلو وتعلو حتى تكاد تُغطى على نواحي الحياة كافة في مصر. فالشارع غاضب، وكذلك البيت، والمسجد غاضب، وكذلك الكنيسة، الرجال والنساء، الشباب والشيوخ حتى الأطفال أصبحوا غاضبين!

وأرجو ألا يجد الجنرال الرئيس وزمرته من حمَلة المباخر من كل صنف ونوع على شاكلة سياسيين وإعلاميين وشيوخ وقساوسة ولجان إلكترونية، أنفسهم يرددون ما قاله رئيس الوزراء الأسبق إسماعيل صدقي باشا، الذي لُقب برئيس وزراء الحديد والنار في العهد الملكي حين وقف في مجلس الشيوخ عام 1946 قائلاً: "إننا حكومة بيضاء لشعب أحمر!". يقصد أن الحكام من النبلاء والمحكومين من الشيوعيين!

وأخيراً، فإن اختلاط ما هو سياسي مع كل ما هو اقتصادي مع كل ما هو اجتماعي مع كل ما هو ثقافي، أدى في النهاية إلى حالة ضياع مثيرة للشجن، كما أن حالة الضياع تكاد أن تتحول إلى حالة فوران ثم تتحول إلى حالة غليان، ثم تنقلب في النهاية إلى حالة انفجار، وذلك خطير.

وأرجو ألا نصل لتلك اللحظة وذلك المشهد الذي حدثنا عنه شكسبير في رائعته "يوليوس قيصر" حينما قال: "يا شعب روما.. إذا كانت لدى أي منكم بقية من دموع، فليذرفها الآن".
اللهم بلغت اللهم فاشهد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.