المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدى منصور Headshot

كشف المستور.. ما بين السيسي ولينين

تم النشر: تم التحديث:

لعل حال الشعب المصري اليوم مع رئيسه "عبد الفتاح السيسي" يُشبه قطاراً، يرى سائقهُ أن المنطقة التي يقف فيها قطاره منطقة خطرة على وشك الانفجار، والقطار به عربة مكيفة، وكراسيها جلد فاخر يجلس فيها أصحاب الياقات البيضاء (الأغنياء المتخمون بغناهم وشهواتهم)، وبقية عربات القطار من الدرجة الثالثة ممتلئة ومزدحمة من الشغيلة (الفقراء المطحونين بفقرهم وعوزهم)، وسائق القطار يسير بأقصى سرعة آملاً النجاة بنفسه وبالقطار، وهو يتحرك بسرعة.

وأثناء انطلاق القطار إلى رحلته يسقُط الركاب المتزاحمون على الأبواب، والركاب يصرخون ولا يسمعهم أحد، ولأن الرحلة شاقة يموت بعض الركاب الفقراء من الجوع، والبعض الآخر يموت من العطش، والبعض الآخر يموت من شدة الحرارة؛ لأن التكييفات لا تعمل إلا بعربة الدرجة الأولى التي يجلس بها الأغنياء.

وسائق القطار يسمع صُراخ رُكاب الدرجة الثالثة (الفقراء) الذين يطلبون منه الوقوف؛ لأنهم جميعاً يوشكون على الموت، لكن الأكثر طرافة أن رُكاب الدرجة الأولى (الأغنياء) بدأوا هم أيضاً يصرخون طالبين من قائد القطار زيادة السرعة التي يسير بها أكثر؛ كي يصلوا في موعدهم أو قبل موعدهم!

ولعل احتمالات النهاية أمام ذلك القطار هي:

1-أن يصل سائق القطار إلى نهاية رحلته، ولكن سيكون أغلب رُكاب القطار (من الفقراء) قد ماتوا؛ بعضهم سقط من على الأبواب، وبعضهم مات من الجوع، والبعض الآخر مات من العطش، وذلك أمر سيكون مُخيفاً وتأثيره فادحاً على الحاضر والمستقبل، بالإضافة إلى أن ذلك لو حدث لن يكون إنسانياً ولا سياسياً.

2-أو سيجد ركاب الدرجة الثالثة (الفقراء) في أنفسهم الجسارة والشجاعة والمقدرة على أن يتسلقوا فوق عربات القطار في ظل تلك السرعة الجنونية حتى يصلوا إلى قُمرة القيادة، ويُلقوا بالسائق من القطار ويوقفوا القطار بأنفسهم؛ لأن الحياة عزيزة وغالية!

ولا أتجاوز إذا قُلت إن أول انطباع يشعر به أي ناظر للشعب المصري أنه أمام شعب عظيم بالمعيار التاريخي للأمم العظيمة، وآية ذلك هي قدرته على الصبر والاحتمال والصمود، رغم كل الصعاب التي مر بها.

فهذا الشعب تحمل مسؤولية تحقيق حلم إنساني ضخم (مع جمال عبد الناصر)، وإن لم يتحقق حلمه لسوء حظه في تحقيق مطالبه (لأن من خلفه "السادات" أضاع تضحيات وإنجازات سلفه)، ثم إن هذا الشعب يعرف أنه كان صانع النصر الحقيقي في الصراع مع إسرائيل، وأنه "دفع" في هذا النصر حياة الآلاف من أبنائه على طول جولات الصراع.

وهذا الشعب يعرف أنه ناضل وضحى في سبيل صنع ثورتين عظيمتين (25 يناير، 30 يونيو) من أجل الإصلاح.

وأخيراً فإن هذا الشعب يعرف أنه بعد بذله لتضحياته من أجل النصر (في الحرب للتحرير أو الثورة للتغيير) أفلت من يده وعده، وتبدّدت الآمال التي كانت الأصابع تتصور أنها انطبقت عليها، واكتشف المصريون أنهم لم يملأوا قبضة يدهم إلا بحفنة من رمال سيناء، أو من أتربة وغبار ميدان التحرير، ما لبثت أن تسربت، فإذا اليد التي كانت تتصور أنها أمسكت المُنى كلها والأمل معه لا تجد في راحة يدها إلا الخيبة والفشل.

لأن الشعوب لا تُضحى بالعرق والدموع والدماء سواء في الميادين العسكرية أو المدنية من أجل أن تُضع أكاليل الغار على هامات الرؤساء (كما حدث في حرب أكتوبر مع السادات)، أو ليحقق أحدهم رؤيته في منامه باعتلاء مقعد الحكم (كما حدث بعد عزل مرسى مع الجنرال السيسي)، وإنما تُضحي الشعوب رجاءً منها في غدٍ أفضل.

وبالنسبة للشعب المصري، فإن هذا الغد الأفضل لم يجئ بعد برغم مُضي السنوات وطول الصبر والانتظار.

ونتيجة لكل ما مر بالمصريين على طول السنين الماضية، أصبح الشعب المصري في حالة انكسار نفسي على مستوى الأفراد.

ثم إن هذا الانكسار النفسي يجد لنفسه مُتنفساً في عدة ظواهر:

ظاهرة الخروج والنفور من أحضان الدين

في الغالب عندما يواجه مجتمع من المجتمعات أزمة فهو يرتمي في أحضان الدين؛ ليكون له مُهدئاً ومُطمئناً وحامياً له بسيف الإيمان، ولكن المشكلة لدى المصريين أن سنة حُكم الإخوان ومعهم بقية تيار الإسلام السياسي من كافة الأطياف قد نفرت المصريين من الدين الذي يمثله هؤلاء.

ومن بعدهم جاء بعض شيوخ الأزهر؛ ليزيدوا الطين بلة فأصدروا فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، مثل: "إرضاع الكبير!"، و"تحريم خلع الملابس للزوجين أثناء ممارسة العلاقة الحميمة!"، وأخيراً وليس آخراً "جواز ممارسة الزوج الجنس مع زوجته الميتة!"، والغريب أن أغلب فتاوى هؤلاء تنصب على النصف الأسفل من الجسم! (وكأن المصريين لا يفعلون شيئاً طوال يومهم غير ممارسة الجنس)، ونتج عن ذلك أن مصر تزايد بها عدد الملحدين.

ظاهرة العودة إلى نوع من الوطنية البالغة حد التعصب

ولعل أدق مَن عبّر عن تلك الظاهرة هو الأستاذ/ محمد حسنين هيكل (رحمه الله)، حينما قال:
إن ذلك عائد إلى أن مصر ليست واثقة كل الثقة بعد من عروبتها، وربما أنها الوطن العربي الوحيد الذي يملك منطقاً كاملاً له عوامله (بالحق أو بالوهم) يُغريه باختلافه عن بقية شعوب الأمة.

العامل الأول: هو الجغرافيا المصرية بوادي النيل وضفافه؛ حيث تتركز الحياة في حصار حزام من الرمال يحوط كل شيء: الناس والنهر والوادي، وذلك يخلق مجتمعاً مكتفياً بذاته وليس بالضرورة منكفئاً على ذاته.

العامل الثاني: هو الحضارة الفرعونية القديمة، وهنا فإن مصر تخلط بين الميراث والتراث.

فالميراث تركة خلفها تاريخ مضى، في حين أن التراث ثقافة وضعها على الأرض تاريخ حيّ.

والعامل الثالث: هو ضرورة وقوة الدولة المركزية التي تُدير مسؤولية التعامل مع الجوار وراء الصحاري المحيطة بالصراع، أو بالغزو. (انتهى الاقتباس)

ظاهرة الشك والتشاؤم والإحباط

ولعل جُزءاً كبيراً من ذلك الأمر عائد لخداع وكذب وفساد أنظمة سبقت (السادات، مبارك، مرسي)، وزِد على ذلك أن النظام الحالي بسياساته وتصريحاته وتصرفاته وقراراته الغريبة أحياناً، والعجيبة أحياناً، والمزعجة أحياناً، والمُريبة مُعظم الأحيان، يزرع "الشوك" قبل "الشكوك" في الصدور، بدلاً من أن يُطمئن الخواطر ويبعد الهواجس عن العقول قبل القلوب (موضوع جزر صنافير وتيران مثالاً).

ظاهرة رفض كل القيادات والرموز والأفكار
فـ"أحمد عرابي" (مجنون تسبب في احتلال مصر من قبل الإنكليز)، و"جمال عبد الناصر" (ديكتاتور)، وهكذا رفض كُل شيء (الأفكار) قبل (الأشخاص).

ولعل ذلك عائد إلى أن تلك طبائع النُظم في البلاد التي لم يكتمل نموها الاجتماعي بعد، ثم تجد نفسها في بعض مراحل تطورها معتمدة على رجل واحد يقف بمفرده على قمة هرم السلطة، وعندما يغيب هذا الرجل الواحد لسبب أو آخر، فإن مَن يخلُفه يبحث عن شرعيته في أسباب قصور سلفه ناسياً أو متناسياً إيجابياته، وهكذا يبدو الحاضر دائماً نقيضاً للماضي.

ولعل ذلك أيضاً عائد لـ"تداعي" العقائد، وتهاوي" المُثل و"سقوط" القيم و"انكشاف" الوجوه الحقيقية لنخبة متعفنة، و"تخلي" المنظومة السياسية والاجتماعية والثقافية للدولة عن دورها في رفع الوعي وتجميع الصفوف وشحذ الهمم بمشروع حضاري حقيقي واضح المعالم ومحدد القسمات، بعيداً عن المساحيق الإعلامية.

كانت تلك كلها أعراض حالة اجتماعية لشعب فقد يقينه في كل شيء وأي شيء، وذهب يبحث عنه في أي مكان ومع أي شخص حتى في الكهوف المُظلمة مع السحرة والحواة والمشعوذين واللصوص والأفّاقين والقوّادين!

إن مشكلة الرئيس "السيسي" في رأيي أن شرعيته من أساسها هي شرعية (لحظة تاريخية). فهي ليست شرعية طبقة، وليست شرعية توافق وطني عام، وليست شرعية إنجاز تاريخي مُحدد، وإنما هي شرعية لحظة تاريخية غريبة الأطوار جمعت ما بين اليأس والأمل.

والمأزق أن "شرعية الأمل" تلك فوق ارتهانها بلحظة معينة، ترتبط أيضاً بتحقيق هذا الأمل أو بخطوات محققة على طريقه، وهذا لم يتحقق.

وماذا بعد؟ وإلى أين المُتجه؟

وفى ضوء هذا الواقع الصعب المرير والأليم، وعندما وجد الجنرال الرئيس أن النقد العام اتسع نطاقه، وامتد ليشمل تصرفاته وقراراته وتصريحاته وسياساته، مما سيؤثر حتماً على الصورة الذهنية العامة له (من الجنرال المُخلص المُنقذ إلى الجنرال الفاشل)، وهذا سيؤدي إلى "نحر" قوائم شرعيته و"ضعف" لأوجه مشروعيته، يساعد عليه اختلال الأداء العام في كُل المناحي؛ سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى أمنية، بالإضافة لغياب منطق "السياسة" وبروز منطق "الأمن".

وفى ضوء الواقع الصادم قرر الرئيس السيسي أن نشر "الظلام" أسلم وأضمن وأنجع من إشعال "الأنوار"، وأن قبضة الحديد الصلبة أفضل من قُفاز الحرير المخملي.

وهكذا أصبحنا في الفترة الأخيرة من حُكمه لا نرى ولا نسمع إلا سياسة وإعلام الصوت الواحد، على الشاشات في الفضائيات، وأمام ميكروفونات الإذاعات، وفي مانشتات الصحف والمجلات، وحتى في الخُطب على منابر الجوامع وفي دروس الوعظ داخل غرف الكنائس، وكذلك تم حجب أكثر من أربعمائة موقع من الظهور في مصر.

وكذلك أحكمت القبضة الأمنية سيطرتها على الأوضاع المصرية، كما جاء بتقرير منظمة "هيومان رايتس ووتش" كما ارتفعت أعداد المعتقلين في مصر، مما دفع الحكومة لإنشاء سجون جديدة على الرغم من حديث النظام الدائم عن شُح الموارد (إحنا فقراء قوي!).

وكان على الإعلام الرسمي بشقيه العام والخاص أن يُغطي ويُداري على مسالب وفشل سياسات الجنرال، وذلك برفع شعارات التعبئة واستثارة الوطنية الجامحة مثل شعار "تحيا مصر"، و"المؤامرات الكونية على السياسة المصرية"، وأن "السيسي يمشي بسرعة الصاروخ"، في حين أن الحكومة "تمشي بسرعة السُلحفاة" (كأن تلك الحكومة ليست من اختياره).

وهنا اعتمد القائمون على الإعلام المصري اليوم مدرسة "السياسة بالانطباع"، وليست مدرسة "السياسة بالإقناع"، وهو نفس الفارق بين علم "الإعلان" وعلم "الإعلام" (وتلك مدرسة أميركية في الإعلام ظهرت مع مجيء الرئيس "الممثل" رونالد ريغان في أوائل الثمانينات من القرن الماضي).

ولكن مشكلة الجنرال السيسي ومؤيديه أن أحوال الناس السيئة لا يمكن مُداراتها بالتصريحات الوردية مهما كانت درجة تنسيقها، وأن الأداء السيئ للنظام وحكومته لا يمكن ستره والتغطية عليه بالمساحيق الإعلامية مهما كانت جودتها وكفاءتها، وأن شمس الحقيقة الساطعة لا يمكن حجبها بغيوم مصطنعة من بعض الأقلام الصحفية الطامعة للدخول (عرايا) لقصر السلطان، تلك الأقلام التي تملأ الآن الآفاق بالصُراخ والصخب، هؤلاء الذين يتصورون أن أعلى الأصوات وأشدها جلبة وضجيجاً سيكون في نفس الوقت أقواها حُجة وأقدرها على الإقناع، ولكن ماذا يُجدي الصُراخ والصخب؟!

وللناس منطق، وللناس عقول، وقد يكون ذلك هو منطق الغابة الجارحة، وليس منطق الحياة العاقلة، أو اللجان الإلكترونية المأجورة المسعورة، أو الحديث في البرامج الحوارية الفضائية من بعض الذين أجادوا أن يلعبوا دور كهنة كل العصور، أو لمن باعوا أنفسهم للشيطان آملين أو طامحين أو طامعين في منصب هُنا أو في عطيةٍ هناك!

وأخيراً.. وبعد كل هذا وذاك يتبقّى سؤال كان قد ألح على مثقف الثورة البلشفية المعروف "فلاديمير لينين" هو: (ما العمل؟) لدرجة أنه ألف كتاباً عنه بنفس العنوان، وأظن أن نفس السؤال كان وما زال وسيظل يواجه الجنرال "السيسي" بعد أكثر من تسعين سنة من كتابة لينين لكِتابه.

وما زال السؤال قائماً: ما العمل؟
ولكن المشكلة أن الجنرال المصري "السيسي" لا يمكنه الإجابة على ذلك السؤال بتأليف كتاب كما فعل المثقف الروسي الثوري "لينين"، ويضع فيه عينة من خُطبه العصماء التي يُلقيها على المصريين كل فترة، وإنما يلزمهُ بالتأكيد شيءٌ آخر.. تُرى ما هو؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.