المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

كان إذا غاب حضر

تم النشر: تم التحديث:

هكذا يصف الصوفيون "العارفين بالله"، فهم في أعرافهم موجودون بأرواحهم ونفائس أطيافهم.

وقد اعتزل علماء هذا الوقت مصطلحات كانت دارجة منذ أمد بعيد بين فطاحل وأساتذة العلوم الإسلامية، بل كان بعضها مأخوذاً ودون حرج من علماء أهل الكتاب.

فقد كانوا يستخدمون كلمة "قدس الله روحه" للترحم على الأموات، وقد قرأتها في ذكر ابن تيمية في كتب القدامى.

ولكن دعونا نرجع إلى لفظ العارف بالله، فستجد أن الانطباع المبدئي لدى عوام المسلمين أنه رجل موصول بالله، كثير الذكر، ربما يطير في الهواء أو يمشي على الماء.

في حين يرى العلماء المعاصرون الأمر غير ذلك كما جاء في صفحة الشيخ محمد صالح المنجد [معرفة الله هي من أعظم المقاصد التي بعث من أجلها الرسل.

ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ... إلخ) رواه البخاري (1458) ومسلم (19).

قال ابن القيم رحمه الله في "الصواعق المرسلة": "فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: أحدهما: تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد، وقرة العين التي لا تنقطع، وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول، ومبنيان عليه فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه، وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه" انتهى.

فمعرفة الله تعالى مرتبة عظيمة والمقصود منها: توحيد الله تعالى، وعبادته وحده لا شريك له، ومعرفته بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى.

وعلى هذا، فلقب: العارف بالله، لا بأس به من حيث الأصل، بل هو كلمة مدح لمن قيلت في حقه، ولهذا استعمل العلماء هذا اللقب، كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وعلمائنا المعاصرين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "مما يدخل في معاني القرب - وليس في الطوائف من ينكره - قرب المعروف والمعبود إلى قلوب العارفين العابدين؛ فإن كل مَن أحب شيئاً فإنه لا بد أن يعرفه ويقرب من قلبه، والذي يبغضه يبعد من قلبه" انتهى. "مجموع الفتاوى" (5/465).]

قلت: خلاصة الأمر هنا أن الابتعاد عن تراثنا الأصيل بدعوى مجانبة أهل البدع وتوصيف الناس بغير ما هم عليه أشياء لا بد أن نتحراها ونحترز في تعميمها.

وستجد فقراء بل شحاذين عارفين بالله، يقفون بقامتهم بجانب علماء الدين. فالله أقرب للمعرفة لخلقه من أشياء تدور حولهم ليل نهار، ويبقى بعدك وقربك من معرفة الله مرهوناً بإخلاص مقصدك وبذل جهدك ولن يختبئ الله عمن يبحث عنه.

ولنا في نبي الله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- قدوة؛ إذ قال بعد بحثه الدؤوب "لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين"، فكان أن اصطفاه الله خليلاً.

اللهم حبّب لنا سبيل التعرف عليك ويسّره لنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.