المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

المنحنى الحضاري بين الصعود والانزلاق

تم النشر: تم التحديث:

من باب التأريخ، المقارنة بين حدَثين مثل انقلاب تركيا وانقلاب مصر هي مقارنة غير دقيقة؛ ومن ثم غير مجدية. لا شك في أن الدروس والعِبر كثيرة، ولكن تعلمنا ونعلم أن البحث القائم على المقارنة يلزمه تطابق بين عوامل الإنسان والمكان والزمان. وهذا كان الهدف من هذه المفكرة؛ الحديث عن المنحنى الحضاري للأمم.

هذه قراءة لفصل من كتاب مالك بن نبي "آفاق جزائرية: المشكلات الحضارية" طبعة 1963. المفكر بن نبي اختصر مكونات الحضارة في 3 عناصر لا غير؛ وهي: "الإنسان، التراب (المكان)، الزمن". وذكر شيئاً في غاية الروعة من حيث دقة التعريف، فذكر أنه لا ينبغي أن نخلط بين ناتج الحضارة الماثل في الاختراعات والعلوم والبحوث، ومكونات الحضارة وهي تفاعل الإنسان بالتراب في زمن معين بانسجام يؤدي إلى بزوغ الحضارة. وذكر أمثلة من التاريخ البشري وكيف أن المنحنى الحضاري في صعود بعد انتكاسة زمنية (طالت أو قصرت).

أقول لإن العناصر الثلاثة التي ذكرها المفكر الكبير لها مناخ تتمدد فيه وتنكمش. فمع عاملي الزمان والمكان وأثرهما على الإنسان، بقي أن درجة تفاعل الثلاثة لا يتم في معزلٍ من الحركة الدائرية للكون. بمعنى أن الإنسان الحالي البسيط الذي يسكن الغابات الاستوائية ربما يكون إنساناً متحضراً؛ لأنه يتعامل مع الزمان والمكان بسلاسة، فتجد الطعام متوافراً للجميع، وصحتهم العامة لا بأس بها (مقارنةً بأبناء المدن الكبيرة)، والطبيعة حولهم مزدهرة؛ لأنهم يأخذون منها ما يحتاجون دون تخريب أو تدمير. أعتقد أن هذا الإنسان حضاري في حيزه الضيق أو اللصيق به.

السؤال هنا: لماذا هذا الإنسان، الذي بالكاد يغطي عورته، لا يُحسب على الحضارة الإنسانية؟ الإجابة هي أن الإنسان الحضاري يمارس حضارته لا ليستمتع بها وحده، ولكن لينشرها فيستفيد منها آخرون.

لو سلمنا بهذا التعريف، فلا شك في أن كثيراً من الحضارات التي اهتمت بتمجيد ملوكها ورموز حكامها دون إحداث تغيير إيجابي في حياة شعوبها هي بدايةً ليست حضارة. نستطيع أن نصفها بارتقاء في نواحٍ حضارية تمس التراب (المكان) في فترة من الزمان دون إشراك العنصر الأساسي وهو الإنسان في جني ثمار هذه الحضارة. وقتها، لا يبقى من الحضارة إلا الأحجار.

هنا، أقول إن المنحنى الحضاري -كما عرفه بن نبي- يلزمه حدث عظيم أو مفترق طريق، ينتبه فيه الإنسان للعنصرين الآخرين؛ التراب والمكان، ووقتها يتم التفاعل الكيميائي بين الثلاثة. ولتبسيط الأمور، أقول إنه في وقت المحن يختار الإنسان إما أن يلتصق بالتراب ليصنع مستقبلاً وربما أيضاً يختار تراباً آخر يبني عليه حياة جديدة، وإما -للأسف- يلتصق بالتراب فقط ليموت عليه. المنحنى في الاختيار الأخير هو منحنى انزلاقي يقع فيه الإنسان كما تقع فيه الأمم.

الأحداث الجارية في هذا الزمان وعلى مستوى العالم، من حيث المكان والشعوب تمثل فيها الإنسان، تعتبر تحدياً حقيقياً لحضارة القرن الحادي والعشرين، فهل تتجاوز الحضارة الإنسان وتخسر حينئذ أهم عوامل الحضارة؟ أم ستحافظ عليه وتنسجم في تفاعلها مع المكان والزمان؟

لابد من الإقرار هنا بأن رمزية الإنسان خالصة دون تمييز بين أعراق وأديان وأعراف، الإنسان في أعلى وأبهى رمزيته تجده في آية 70 من سورة الإسراء في القرآن الكريم: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا". نعم، علت أمم وسقطت أخرى، وما ذلك إلا بتكريم هذا الإنسان أو إهانته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.