المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

لا تهدموا أسوار مكة

تم النشر: تم التحديث:

يا ولدي.. مَن لا يستطيع أن يقرأ التاريخ بوعي، لا يستطيع أن يخطّ في التاريخ سطراً. ونظرة في كتب التاريخ ربما تعطيك انطباعاً عجيباً في كم الإنجازات تحت ظروف حكم معين وفي فترة زمنية لها ملامح مميزة بقدر ما تتصفحه عيناك وتقلب أصابعك صفحاته. كذلك في قراءتنا للتاريخ ربما تستطيع أن تقرأ في صفحتين أو أقل عهد بائد ربما طويل، حكمه حاكم لم يصنع شيئاً أو يقدم جديداً لأمته أو وطنه، كان جل ما صنعه أن جلس على الكرسي ثم دفنوه.

والأمر هنا لا يتعلق بالعرب أو المسلمين وحدهم، بل شاركهم في هذه الصفحات الخالية البالية حكام من العصور الوسطى بل وتجدهم حولنا في هذه الأيام تحديداً.

سألوا في إحدى المرات الرئيس بوش الابن: "ماذا سيقول عنك التاريخ عندما يقرأ الناس أنك دخلت حرب العراق بدون سبب وجيه أو معلومات صادقة؟"، فقال: "وقتها لن أكون موجوداً".

نعم هناك مَن لا يهتم ماذا يكتب التاريخ عنه، فجل اهتمامه أن يحكم حتى الرمق الأخير ثم يذهب في ذيل الصفحة اسماً بدون عمل.

أما الحديث عما يتركه هؤلاء أو أولئك للأجيال القادمة أو ماذا سوف يذكرونهم به، فهذا ليس من صلب اهتماماتهم.

ومن باب الإنصاف لا بد أن نذكر لآباء أميركا أنهم أتوا على بلد يملك تاريخاً بدائياً بل ومخزياً، فبدأوا يصنعون تاريخاً ناصعاً ويحفظونه، فترى جرس الكنيسة المشروخ بفلادلفيا وأعلام أميركا القديمة والذين نسجوها، وهذا مكتب تم عليه التوقيع على الوثيقة الفلانية، وهذا كرسي الأتوبيس الذي جلست عليه الأميركية السوداء التي أبت أن تتنازل عن حقها في الجلوس عليه، وهلم جرّا.

ونترك أميركا إلى مبدأ التاريخ ومنتهاه.. إلى الشرق، وحضارات الشرق التي أحاطت بمهد النبوة معروفة: الفارسية والرومية والمصرية واليمنية، ولم يكن بالجزيرة العربية إلا البيت العتيق، فكان كالجوهرة وقد أحاطتها أسوار منيعة، فجاء الإسلام بفهم رائع بالمحافظة على تراث الإنسان وحضارته على مدى الدهور الساحقة، فما قرأت في فترة انتشار الإسلام المبكرة أن هدموا رمزاً لحضارة أو معلماً لدولة غلبها الفاتحون الجدد بجيوشهم، بل إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومع شوقه إلى أن يعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم الأصلية إلا أنه عدل عن هذا حتى لا يجرح شعور أهل مكة وهم قومه "إذ إنهم حديثو عهد بالإسلام".

ولكن في العصر الذي نعيشه رأينا العجب، فقد ابتلينا بكل حاكم جاهل لا يحب حديث التاريخ بدايةً ويرى أنه بداية التاريخ وما قبله لا بد أن يمحوه.

والتاريخ يا ولدي حتى لا يختلط الأمر عليك يبدأ بالإنسان وينتهي بالجماد، وبين هذا وذاك يحفظ المؤرخون الأماكن والوثائق والمتعلقات والكلمات والملامح وما شاكل ذلك.

ونحن بالشرق بين بنوعين من الحكام؛ نوع يمسك بمعول الهدم، والآخر يصفق له.

وها نحن أولئك نعيش معاول الهدم تقوم على أسوار مكة بالهدم واحداً تلو الآخر بجهل أو بقصد.

ولا يستعجب كتاب التاريخ كيف يفوت هذا على مَن أتاه الله قليلاً من البصيرة، فسور مكة من الشرق يهدموه بسقوط بغداد، وسرقة تاريخها بجميع أنواعه وشحنه إلى الخارج، ثم هدم سور مكة من الشمال بدك سوريا على رؤوس أهلها، وضياع معالم الروم والمسلمين والفينيقيين وكل مَن عاشوا على هذه الأرض دمرت عن آخرها، ثم إلى السور الغربي تنظر فتجد مصر بلصوصها وقد سرقوا كل التحف الغالية وشوهوا معالمها، ثم أتى الدور على السور الجنوبي، اليمن الذي كان سعيداً، أصحاب سد سبأ وأصهار إسماعيل وأهل العربية؛ ليقضوا عليها أو يحاولون.

وتبقى أسوار مكة على ضعفها صامدة اللهم إلا من طامع في مفاتيح بيتها العتيق، فأما الذهب الأسود فعرفنا كيف قسمته، وأما البيت العتيق فسارق الذهب سيبيعه لمن يوفي الثمن.

يا ولدي.. أول ما تتم سرقته من الحضارة هو الإنسان ومعدنه، دعك من الأبراج العالية أو القصور الشاهقة، فكل هذا نبنيه في لمح البصر، لكن هدام الحضارة أهملوا أن يعلموا الإنسان أن يقرأ ويكتب التاريخ.

يا ولدي.. لو أعطاك أبوك ساعة أو هدية فلا تضيعها حتى لو اشتريت أثمن منها، أعطِها لولدك وأوصيه أن يورثها أحفادك ليس لقيمتها، ولكن لأنها من أبيك، افعل كإخوانك الفلسطينيين، فمفاتيح دورهم التي طردوا منها تتناقلها الأيادي حتى يأتي من يفتح بها هذه الدور ويرسم البسمة من جديد.

يا ولدي، أمثال الفلسطينيين سيحققون أحلامهم؛ لأنهم ورثوها ويورثونها.

اذكر يا ولدي أن الإنسان هو رمز التاريخ، فحتى لو حرقوا مجمع العلوم أو سرقوا المتاحف أو نهبوا الآثار أو غيّروا المعالم، كل هذا يمكن تعويضه إلا أن ينهبوا أو يزيّفوا أو يغيّروا عقل الإنسان، وقتها لا يكون هناك تاريخ حتى نجد الإنسان مجدداً ونُعيده إلى حضارته مرة أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.