المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

ومِن المروءة..

تم النشر: تم التحديث:

قالوا في المروءة إنها من الطبقات العليا من محاسن الأخلاق؛ إذ إن اتصاف المرء بها ينبئ عن خصوبة في الأخلاق العامة، وعن طيبة المنشأ ورعاية المربي.

وتجد أن أهل المروءة قد ارتفعوا بأعمالهم وأقوالهم فوق لوم اللائمين ونصائح المتقاعسين، فهم أهل النجدة والمسارعون في الخيرات، ومن الجميل أن تربي أبناءك على المروءة وإن كلفهم ذلك المشقة وربما الإيذاء، فهكذا سبيل الأنبياء، وقد قالوا: "إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً.. فمطلبها كهلاً عليه شديدُ".

والمروءة مرتع النبلاء من أطياف الناس على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم، ولأنهم شركاء في هذه الخصلة العزيزة تجدهم منافذ للإصلاح بين الناس ليدٍ أنفقوها دون أن ينتظروا أجراً.

ولنا أسوة حسنة في سيد الخلق عليه الصلاة والسلام؛ إذ قام مع صاحب حق غريب أتى ببضاعة إلى مكة ابتاعها منه أبو جهل وامتنع عن استيفاء الثمن.

وتراه عليه الصلاة و السلام وقد شمر عن الساعد ليأخذ بحق الرجل، فجاء تأييد الله له ورأى أبو جهل ما أرعبه وجاء بالمال من فوره.

وكذلك كليم الله موسى؛ إذ قام يسقي لامرأتين وقد انتحيتا جانباً حتى يسقي الرجال أغنامهم، وكل هذا من مروءة موسى عليه الصلاة والسلام، دون أن تسأله إحداهما معروفاً.

ثم انظر لابن الدغنة وكان على ملة كفار مكة ومروءته في حماية أبي بكر الصديق، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: "لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً قِبل الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك، فارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر، فطاف في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة".

واليوم ترى الناس يركنون إلى حائط التقاعس؛ إما تكاسلاً وإما جبناً وإما مجانبة للمشاكل، وأرى أن طاقات الناس تتفاوت وقدرتهم على تحمل مشاق الأعمال الكبيرة، أو حتى الصغيرة، مرهونة بنفوس تطير بين السماء والأرض.

فمن حلق بنفسه وارتفع بمروءته فلا يصح أن يلام أو يعاتب عليه لمجرد أن أصحاب النفوس الهابطة لا يريدون أن يروا أمثال هؤلاء النبلاء يسيرون على الأرض.

ومن المروءة أن تستحي من ربك وألا تعصيه في صغير ولا كبير، ومن المروءة أن تدافع عن عرض أخيك في غيبته، ومن المروءة أن تهرع لنجدة الناس في عوزهم ما استطعت، ومن المروءة أن يستوي عندك الناس في إحقاق الحق وإنكار المنكر، ومن المروءة أن تعطي وقت احتياجك كما تعطي وقت كفايتك، ومن المروءة أن تصلح بين الناس، ومن المروءة أن يكون تواضعك لله في السر والعلن على سواء.

والله من وراء القصد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.