المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

لا تحزن فقد وقع أجرك على الله أيها المهاجر

تم النشر: تم التحديث:

تراك وأنت تقرأ في الهجرة النبوية أحوالاً تقف عندها متفكراً وربما مندهشاً؛ بل مستغرباً. غاية الأمر أن الهجرة كانت بإذن الله وإرادته، سخر لها المؤمن والمشرك والذمي ليتم أمر الله ويستقر بيثرب مدينة الرسول.

وقد مر علينا كيف استخدم رسول الله ابن أريقط (وكان مشركاً) دليلاً يدلهم على الطريق ويخفي عليهم، وسراقة بن مالك وقد أدركهما (الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه) ليفوز بجائزة القبض عليهما، لكن الله منعهما منه وغاصت قدمي فرسه في الرمال مرتين. فما كان منه وقد عفا عنه رسول الله إلا أن ضلَّل من يقتفي أثرهما عن متابعتهما.

ثم شاءت إرادة الله تعالى أن يكون يهودي أول من بشر الأنصار بمقدم رسول الله صلوات الله عليه وكان على أطمة (مرتفع) بالمدينة فصرخ فيهم "يا معاشر العرب، هذا جدكم قد جاء".

إذ، أنت بصدد تناغم عجيب في ردود فعل أناس من مشارب مختلفة إزاء هذا الحدث العظيم.
إلا أن هجرة الصحابة -رضوان الله عليهم- من غير المشهورين كانت لهم أيضاً أحداث تستحق في نظري وقوفاً للاعتبار، فيهم نزل وفي أمثالهم قول الحق تبارك وتعالى: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً" (سورة النساء: 98-99).

هنا تحضرني ثلاث قصص لهجرة هؤلاء المستضعفين. أما أولاهما، فهي هجرة أمنا أم سلمة، تقول رضي الله عنها: "لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ ثمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا: هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ هَذِهِ، عَلاَمَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلاَدِ؟

قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذُونِي مِنْهُ. قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالُوا: لاَ وَاَللهِ لاَ نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا. قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بُنَيَّ سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَفُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي.

قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالأَبْطُحِ فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتَّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيباً مِنْهَا حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي، فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلاَ تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ؟ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا؟!

قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكِ إنْ شِئْتِ. قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ إلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي. قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي ثمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْته فِي حِجْرِي، ثمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ. قَالَتْ: فَقُلْت: أَتَبَلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى زَوْجِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لِي: إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَوَمَا مَعَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لاَ وَاَللهِ إلاَّ اللهُ وَبُنَيَّ هَذَا. قَالَ: وَاَللهِ مَا لَكَ مِنْ مَتْرَكٍ.

فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي، فَوَاللهِ مَا صَحِبْتُ رجلاً مِنَ الْعَرَبِ قَطُّ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطَّ عَنْهُ ثَمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثمَّ تَنَحَّى وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ فَقَادَهُ حَتَّى يَنْزِلَ بِي.

فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ قَالَ: زَوْجُك فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ -وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلاً- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعاً إلَى مَكَّةَ.

قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ: وَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الإِسْلاَمِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِباً قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَة.

أقول: لتجدني أتعجب من إصرار أم سلمة على الهجرة وهي من المستضعفين وأتعجب في الوقت نفسه من شهامة عثمان بن طلحة وقد كان مشركاً حينئذ. فلا حول ولا قوة إلا بالله!

ثانيهما، عبد الله بن جحش وكان قد خرج مهاجراً إلى الحبشة مع المسلمين المهاجرين إليها فراراً بدينه، ثم دعاه الحنين إلى مكة فعاد إليها مع العائدين من الحبشة، وظل بها صابراً على ما يلاقيه من أذى، حتى أذن الله للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فسارع بالهجرة تاركاً في مكة داراً عظيمة البنيان، تطل على الكعبة، فهجم المشركون على داره وباعوها وقبضوا ثمنها، ولما علم قومه بذلك تأثرت نفوسهم، وغضبوا غضباً شديداً، فطمأنهم النبي، ودعا الله أن يعوّضهم داراً خيراً منها في الجنة ففرحوا بذلك.

لكن العجيب أن تقرأ أن نفراً من كفار قريش مرّوا بدار عبد الله بن جحش وقد خلت من أهلها وفيهم عتبة بن ربيع، والعباس بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام بن المغيرة، فنظر عتبة بن ربيعة إلى دار عبد الله بن جحش وهي تخفق أبوابها وليس فيها ساكن، فقال أسفاً: "وكل دار وإن طالت سلامتها.. يوماً ستدركها النكباء والحوب". هكذا كان يشعر الكفار لهجرة المسلمين من بلدهم مكة.

أما آخر الثلاثة، فهو ضمرة بن أبي العيص رضي الله عنه، فكان من قبيلة خزاعة وكان موسراً، فلما علم بهجرة النبي وكان ممن عذر الله، وكان شيخاً كبيراً وضيئاً، قال لأهله: ما أنا ببائتٍ الليلة بمكة. فخرجوا به مريضاً حتى إذا بلغ التنعيم من طريق المدينة أدركه الموت فنزلت فيه الآية 100 من سورة النساء "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً".

وأقرأ الماضي والحاضر فيحضرني سؤال: "أكفارهم كانوا أنبل من مسلمينا؟". ولكني أختم ببشرى لكل من ترك وطنه طواعيةً أو قهراً، بحديث فديك (رضي الله عنه) وكان قد أسلم، وأراد أن يهاجر فطلب منه قومه -وهم كفار- أن يبقى معهم، واشترطوا له أنهم لن يتعرضوا لدينه، ففرَّ فديك بعد ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر، هلَكَ. فقال النبي (عليه الصلاة والسلام) "يا فديك، أقم الصلاة، وآت الزكاة واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت، تكن مهاجراً". طوبى للغرباء.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.