المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

العملة ذات الوجه الواحد عملة رديئة

تم النشر: تم التحديث:

الحق والباطل لا يجتمعان في عملة واحدة، ولكنهما عملتان ذواتا وجهين لكل منهما، ولن تجد رجلاً يميل للحق والباطل في آن واحد، فهو على إحدى الضفتين لا محالة.

ومن ظنَّ أن جملة "خلط عملاً صالحاً بآخر سيئاً" أن الأمر التبس عليه، ولكن في الحقيقة أنه كان يوماً مع الحق ويوماً آخر مع الباطل، ولا يستقر الأمر كذلك، فإن النفس تميل للركون إلى أحد الأمرين حتى تسكن وتعتاد على نمط واحد.

فعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

ولأن الصدق من الطبقات العليا للأخلاق فجاء وصف المؤمنين بالصادقين مدحاً لأخلاقهم وبشرى بمكانتهم في الآخرة "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" - سورة البقرة. وعملة الحق وجهها الآخر هو الصدق "إنما توعدون لصادق" - سورة الذاريات [يعني حق] والوجه الآخر للباطل هو الكذب.

وأعلى ما في الصدق أن يصدق الإنسان ربَّه ولا يتأتى هذا إلا إذا صدق مع نفسه، وما أصعب ذلك على نفس تتجاذبها الأهواء وتتقاذفها الرغبات.

ولهذا كان الصدق مع النفس جهاداً عظيماً يلزمه أدوات التقرب إلى الله وسؤال معونته. وأعجبتني خطبة الجمعة للشيخ علاء البكري؛ إذ يعجب من امرئ يرى الحق ويحيد عنه، ويرى الباطل ويدنو منه.

وأناط هذا السلوك لنفس بشرية خبرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجهنا أن ندعو "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه" - انتهى. أقول إن الدعاء رد التوفيق إلى اختيار طريق الحق إلى فضل الله، وما عدا ذلك فهو اختيارنا المحض؛ إذ إن الله لا يختار لنا طريق الباطل، حاشاه أن يظلمنا ثم يحاسبنا.

ومن الصدق أن نقول الحق وننشر الحق، فإن التبس علينا في الأمر شيء لزم علينا أن نتحرى قبل أن ننقل خبراً أو معلومةً، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: "كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سـمع".

انظر قول الحق تبارك وتعالى: "ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً" - سورة الإسراء.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، يقول "لا تقل"، وقال العوفي عنه: "لا ترم أحداً بما ليس لك به علم"، وقال محمد بن الحنفية: "يعني شهادة الزور"، وقال قتادة: "لا تقل رأيت ولم ترَ، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله"، ولهذا كان الصمت ملجأ الصادقين يحتمون فيه من زلات اللسان التي تهوي بصاحبها في دركات النار، والعياذ بالله.

فإن كنت من أهل الحق صدقاً فلا تسلم أذنيك إلا لحديث صدق، ولا يقع بصرك إلا على مشهد صدق، ولا يرجف قلبك رجفة إلا لتحقيق صدق.

ومن فاته من هذا قليل أو كثير، فإن الله غفور رحيم، يمحو من ذنوب عباده ما يشاء ويثبت. فاللهم امحُ خطايانا، وثبّت حسناتنا، واكتبنا مع الصادقين، اللهمَّ آمين.
والله من وراء القصد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.