المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

"اسمع.. استمع.. أنصت".. على هذا الترتيب

تم النشر: تم التحديث:

أعجبتني كلمات أرسلها صديق عزيز تقول: "ومن هيبة المرء كثرة الصمت وقلة الحديث". وكثرة الصمت تعني أنك في أحد حالين، إما متفكراً أو منصتاً. فأما التفكر فحصيلته التدبر، وأما الإنصات فحصيلته اصطياد الكلمات في شباك العقل والقلب، ولأن التفكر لا يلزمه وجود شخص آخر معك يحادثك، فربما تتفكر في حال نفسك أو في خلق الله، أو فيما حدث أو فيما يحدث أو ما سيحدث.

الأمر إذاً أن عملية التفكر هي بذل الجهد في إعمال العقل بطريقة غير معتادة في التفكير بعمق، ولذلك كان المصابون بالاكتئاب (أعاذنا الله و إياكم) في حالة تفكر عالية الجودة بما لا تحتمله نفوسهم وأرواحهم.

وأما الإنصات فهو منحة الله لعباده الذين يحسنون الاستماع، وحسن الاستماع يأتي بالصبر على سماع الغث والسمين، وعلى سماع ما تحب وتكره، ولهذا أرشدنا الله للاستماع الذي يفضي إلى الإنصات، فقال عز من قائل: "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" الأعراف - 204 .

ولم نخلق بهذه الخواص بقدر ما تعلمناها وتدربنا عليها، خذ مثلاً عجيباً قرأناه في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، في الوليد بن المغيرة واستماعه لرسول الله وهو يتلو عليه القرآن، ماذا قال؟ قال: "والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته". تدري ما فاته؟ فاته أن ما سمعه هو كلام الله وليس كلام محمد.

وعلى الرغم من أنه استمع إليه وأجلّه، إلا أنه لم ينصت إليه واستقبله الاستقبال الصحيح، إذاً هي النية التي تصل بك من الاستماع إلى الإنصات.

خذ مثلاً غريباً آخر في الإنصات ونعمة ربنا عندما تحل بالمرء فينظر أيهتدي أم يكون من الذين لا يهتدون.

الفضيل بن عياض الزاهد العابد الذي كان لصاً قاطع طريق، تسلق يوماً بيتاً ليسرقه فسمع صوتاً يتلو آيات الله: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق"، فلما سمعها قال: بلى يا رب، قد آن. ومن وقتها وقد هاجر من خراسان بآسيا الوسطى إلى العراق ومنها إلى مكة ومجاورة البيت الحرام والمكث فيه حتى الممات، وهو يعلم الناس ما تعلمه في الحديث وعلوم القرآن، وقد أصبح من أعلام الزهاد في التاريخ القديم.

لو تسألني هل هي مصادفة؟ إجابتي وبدون تردد أن الله العدل ينمي ما يزرعه المرء، فلا شك عندي أن الفرق بين الوليد بن المغيرة الفصيح البليغ والفضيل بن عياض اللص قاطع الطريق، أن الأخير لا بد أنه كان صبوراً، يملك حسن الاستماع، ولذلك كان استقباله لكلام الله استقبالاً صحيحاً ملائماً.

دعوني أهمس اليكم في آذانكم: لا تحرموا أنفسكم من سماع القرآن، وفرغوا له وقتاً معيناً كما تفرغون وقتاً لقراءته، فإنكم لا تدرون كيف يقع القرآن في آذانكم من ثم يقع بقلوبكم، لا أصرفكم عن قراءة القرآن، ولكنها أوقات أسمع فيها آيات وكأني لأول مرة أسمعها، بالرغم من أنني قرأتها مرات عديدة، ولكن فضل الله أن هداني لأفرغ وقتاً لاستماع القرآن من غيري، ووجدت في ذلك حلاوة اصطياد مقاصد لم أعِها خلال قراءتي لكتاب الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.