المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

لمحات من قصة نبي الله يعقوب.. الأب الرؤوف

تم النشر: تم التحديث:

المبادرة لتلخيص قصة يعقوب وابنه يوسف وإخوته -عليهم الصلاة والسلام- وحصرها في حب الأب المنحاز لصغيره، وتآمر الإخوة وحسدهم على أخيهم، تلخيص مخل في اعتقادي بشأن علاقة الأب بأبنائه.

فقد سمعت السورة وكأني لأول مرة أسمعها من الشيخ محمد رفعت -رحمه الله- ولأن الوقفات وتفاعل نغمات الصوت مع وتيرة الأحداث هي من نعم الله على قارئ كتابه، فقد جاءت السورة بتفسيرات جديدة في شأن هذه العلاقة أشارككم فيها.

البداية كانت بحلم يوسف الذي فسّره أبوه بأنه لا محالة واقع، فسجود أبويه وإخوته كان من فتوحات الله على نبيه يعقوب؛ إذ علم أنه واقع بابنه يوسف من التكريم من يستدعي سجودهم له، ولأن الأمر في علم الغيب كان لزاماً أن يحذر ابنه من مشاركة إخوته في حلمه "فيكيدوا لك كيداً" فبدون دليل يبغونك الغوائل، ويناصبونك العداوة، ويطيعون فيك الشيطان [كما جاء في تفسير الطبري.

غاية الأمر هنا هي السؤال الملحّ على ذهني "هل كان إخوة يوسف بكل هذا السوء؟"، أزعم أن هذا فيه تكلّف، وهذه مشاهداتي:

1- المشهد الأول كان موضوع الكيد الذي لم يحدده يعقوب عليه الصلاة والسلام، ولكن احترازاً منه فقد خاف أن يوقع الشيطان بينهم، فلم يجد داعياً لاستثارة ضغينة مبنية على غيب غير معلوم اللهم إلا حلم يقع بصورة أو بأخرى.

2- ثم يجيء مشهد حديث الإخوة، وقد توهموا أن أباهم يفرق في محبة أبنائه "ليوسفُ وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة"؛ إذ إنهم شهدوا لأبيهم دون أن يعلموا أن القبائل وقتها تفرح وتأوي إلى العصبة، وفاتهم أن حب يعقوب عليه الصلاة والسلام لابنيه الصغيرين كان اهتماماً ناتجاً عن صغر سنهما، وأعتقد أنهم لم ينتبهوا لهذا السبب في اختلاف المعاملة، ودليلي في هذا هو قول يعقوب لأبنائه وهم كبار السن "وقال يا بنيّ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون".

فالأب الحنون ما زال يراعي أبناءه الرجال ويخشى عليهم من الحسد أو الوقيعة بهم، هكذا كان يعقوب عليه الصلاة و السلام.

3- ولكن عودة لمشهد الإخوة، ما بالهم يهمون بقتل أخيهم يوسف؟ في الآية الكريمة "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم" أقول: إنني أفهم هذا من مجاز القرآن، كما نقول باللغة الدارجة "موتوه أو ارموه في أي مصيبة"، فالمعنى هنا لم يقصد القتل بعينه، بقدر ما هو التخلص من يوسف، ودليلي في بقية الآية "وتكونوا من بعده قوماً صالحين"، إذ كيف يستقيم حديث القتل مع الصلاح إلا إذا كانوا لم يقصدوا القتل بعينه؟!

ولا يخرج هذا عن الوعيد الذي قاله نبي الله سليمان في حق الهدهد "لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه"، غاية الأمر هنا هي إنفاذ الغضب دون تحققه.

فما كان من الهدهد الذي يعرف جيداً نبي الله أن مكث غير بعيد منه ثم استعرض وتطاول "أحطت بما لم تحط به".

4- ومشهد آخر لأخيهم الأكبر وهو يعارض حتى التلفظ بالقتل "قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين"، فما كان منهم إلا وقد اجتمعوا على إلقائه على الصخرة في أسفل البئر، وهذا مرة أخرى يؤكد أنهم لم يقصدوا قتل أخيهم فعلياً.

5- ثم يجيء مشهد مختلف؛ إذ بعد أن ألقوه في غيابات الجب كان جلياً أنهم لم يغادروا المكان، وأزعم أن هذا كان أول ندمهم، فجلسوا يتربصون حتى جاءت القافلة وتهللوا بعثورهم على هذا الفتى الجميل.

كان من المفروض أن إخوة يوسف يتركون مكان الجريمة بأسرع وقت، ولكنهم لحقوا بالقافلة وقالوا عن يوسف إنه عبد فرّ من سيده "و شروه [باعوه] بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين".

أقول وبالله التوفيق إنهم أرادوا أن يطمئنوا على حال يوسف قبل أن يذهب عنهم، وربما لا يلاقونه بعد يومهم ذاك؛ إذ الأهم من الدراهم المعدودة ألا يكون على جريمتهم شهود، وهذا أدعى لتخفيف الحنق عليهم.

6- ثم هناك مشاهد عديدة قرأتها فأحسست فيها بندمهم، فكلما شهدوا أباهم يبكي أخاهم يوسف عليه الصلاة والسلام تألموا "قالوا تَاللَّهِ تَفتَأُ تَذكُرُ يوسُفَ حَتّى تَكونَ حَرَضاً أَو تَكونَ مِنَ الهالِكينَ"، أي بعد كل هذه السنوات الطويلة ما زلت تبكي يوسف فارحم نفسك أو بالعامية "حتموت نفسك".

أشعر هنا أن منظر أبيهم وحزنه على يوسف قد تكفل بتعذيب ضمائرهم إلى أبعد مدى.

7- المشهد الغريب الآخر الذي فهمته بصورة مغايرة هو قول يعقوب، وقد فقد بالحين ابنه بنيامين شقيق يوسف: "يا بَنِيَّ اذهَبوا فَتَحَسَّسوا مِن يوسُفَ وَأَخيهِ وَلا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ".

قلت كان من باب أولى أن يهتم بالمصيبة الجديدة، ولكن نبي الله الموصول يعلم أن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يمُت، بل وكأنه يقول لهم في بحثكم عن بنيامين ستجدون يوسف.

8- وهذا يجرنا إلى المشهد الختامي، وقد أعد يعقوب بنيه بلقاء ولديه دفعة واحدة؛ إذ قال لهم يوسف: "قالَ هَل عَلِمتُم ما فَعَلتُم بِيوسُفَ وَأَخيهِ"، وأوجد لهم مخرجاً؛ ليتوبوا "إِذ أَنتُم جاهِلونَ".

ففرحوا بلقاء أخيهم يوسف "قالوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يوسُفُ قالَ أَنا يوسُفُ وَهـذا أَخي قَد مَنَّ اللَّـهُ عَلَينا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّـهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ"، ثم يعتذرون له: "قالوا تَاللَّـهِ لَقَد آثَرَكَ اللَّـهُ عَلَينا وَإِن كُنّا لَخاطِئينَ"، فيدعو لهم: "قالَ لا تَثريبَ عَلَيكُمُ اليَومَ يَغفِرُ اللَّـهُ لَكُم وَهُوَ أَرحَمُ الرّاحِمينَ".

الحقيقة أنني كنت أتعذب من قبح التوصيف الذي انهال على أبناء يعقوب عليه الصلاة والسلام (إخوة يوسف) ووجدت بعد سماعي للسورة مؤخراً أن أجد في ضميري مخرجاً لهؤلاء الإخوة فجاءت مشاهداتي السابقة.

ختاماً.. أمرنا ربنا أن نتفكر في القرآن ونجهد فيه الذهن، فإن كان الجهد صحيحاً فلا شك أنه من توفيق الله، وإن كان غير ذلك فمن تقصيري وأجري على الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.