المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

الاستعمار بالوكالة

تم النشر: تم التحديث:

في كتابه القيم "في مهب المعركة.. إرهاصات الثورة" قسم مالك بن نبي المفكر الجزائري الرائع الاستعمار إلى نوعين: استعمار محتل بالقوة، وآخر محتل بالضم.

فالأول يفرض سيطرته على البلد الضعيف بحكم قوته العسكرية وإذلال حكامها وإخضاعهم، والعجيب أن هذا النوع من الاستعمار ما زال قائماً حتى يومنا هذا، ومن آخر أمثلته الاحتلال الأميركي للعراق، وهكذا جاء توصيفه من خلال الأمم المتحدة.

وطبيعة تصرفات هذا الاستعمار لا تخرج عن قاعدة "اضرب.. اسرق.. اجرِ"، فمرحلية هذا النوع من الاحتلال مؤقتة، فبالتالي لا يستلزمه أن يترك انطباعاً جيداً لدى الشعوب المحتلة، فالأمر مثل شنكل الحرامية يقع به الضحية أرضاً، فإذا أفاق لم يجد المعتدي عليه حوله.. والزمن كفيل بنسيان الماضي، وعفا الله عمّا سلف.

النوع الثاني وهو استعمار الضم، بمعنى أن يحتل البلدُ القوي البلدَ الضعيف ويضمه إلى مملكته.

وأمثلة ذلك تجدها في احتلال الهند من الإنكليز الذين أطلقوا عليها فيما بعد بجوهرة التاج البريطاني، وكأنها كانت قطعة منسية من المملكة ثم تذكروها لاحقاً.

ولا تختلف الجزائر عن الهند؛ إذ إن الفرنسيين قد ضموها إلى فرنسا الأم، وصوروا للجزائريين أنهم مواطنون فرنسيون لهم مثل حقوق الفرنسيين الأصليين.

منهج هذا النوع من الاستعمار أنه يسير على أكثر من محور، فهم يعملون على اقتلاع البلد المحتل من تاريخه وطبائعه ولغته.

وهذا يحتاج بلا شك إلى زمن طويل لتخرج نتائجه إلى النور.

طبيعة تصرفات هذا الاستعمار لا تخرج عن قاعدة "اضرب.. تفاهم.. تعاون.. اسرق.. استنزف واستمر في الاستنزاف".

أُضيفَ إلى نوعي ابن نبي نوع ثالث وهو الاستعمار بالوكالة، وهذا تجده في توكيل مجموعة أو فرد بالقيام باحتلال بلد أو مدينة أو مؤسسة مقابل تسهيلات وخدمات.

ويتم التوكيل إما باختيار الوكيل الأمثل من خلال مناقصة بين مقدّمي العروض أو بفرض الوكيل نفسه بواقع الأمر.

احتلال فلسطين مثلاً جاء في صيغة وعد بلفور الشهير بإعطاء فلسطين وطناً لليهود، وكان في حقيقة أمره واقعاً مفروضاً على الحكومة البريطانية بعد إغراقها في ديون كبيرة دعتها إلى الخروج بهذا الوعد المشؤوم الذي أخرج الأهلَ من الديار؛ ليأتي الغريب ويدعي ملكية الدار والأرض والزيتون، ثم هم يؤدون الخدمات حتى يظلوا وكلاء ولا أظنهم الآن وكلاء مخلصين.

أما احتلال الأشخاص لبلدانهم بالوكالة عن الاستعمار الخارجي فمفهوم هذه الأيام وهو يسير التكلفة زهيد السعر.

هؤلاء الأشخاص يقومون بتأدية خدمات للاستعمار الخارجي، بل ويتجاوزون في أدائها لدرجة أن يطلب الموكّل عدم تجاوز أصول اللياقة في تقديم الخدمات.

الوكيل في هذه الحالة له وقت زمني للخدمة ثم يستبدل بغيره قبل أن يثبِّت رِجليه في الحكم، ويظن أن وكالته أبدية.

فإذا فقدت خدماته تأثيرها انقضت بذلك وكالته ثم تتم مناقصة أخرى لاختيار بديل لنوع آخر من الخدمات.

أغلب هؤلاء الوكلاء يكونون ممن يملكون زمام الجيوش لصعوبة اقتلاعهم، ولكن فيهم أيضاً أصحاب ورؤساء العشائر، ولكن لا أحسب أن فيهم الملوك والأمراء، وذلك لطبيعة تصرف هذا النوع من الاستعمار التي لا تخرج عن قاعدة "فرّق أبناء الشعب.. أشغلهم.. أطعِم قوادك".

فإنك لن تجد ملكاً أو أميراً يصف أحداً من أبناء بلده بالإرهابي مهما فعل، يمكن أن تسميه مجرماً أو قاتلاً أو منحرفاً.. لكن إلا إرهابياً.

الاستعمار بالوكالة يثبت على قدميه إذا قبل الناس بفرقتهم ولم ينتبهوا إلى أن قوتهم في اجتماعهم، وانشغلوا بكفاف قوتهم عن انتزاع حريتهم، وظلوا يبكون الماضي، ويصادرون حق أصحاب المستقبل في التغيير.

الاستعمار بالوكالة خبيث؛ لأن الوكيل منهم وعليهم، وإن كان مِن لائمةٍ فلا تكون على الموكل، ولكن على مَن قَبِل وكالة الوكيل

.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.