المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

رأي في فصل الدين عن السياسة

تم النشر: تم التحديث:

أكاد لا أسمع عن هذا الموضوع في أميركا منذ أتيتها من عقود أربعة، اللهم إلا صعود استخدام الدين في حملات الحزب الجمهوري بين الحين والآخر هذه الأيام. إلا أن ظهور رجال الدين على شاشات التلفزيون أو منصات الخطابة، فهو منعدم، ولكن توجيه الكتل التصويتية، لا شك أنه يقع بصورة أو بأخرى في أماكن العبادة، دون انتقاد من أي فريق سياسي لآخر.

ولكن، دعنا نعد إلى "فصل الدين عن السياسة" من خلال قراءتي الشخصية. بدايةً، لا بد من التفريق بين مصطلحي "تسييس الدين" و"تديين السياسة"، فالأخير غير متداول بين الناس والمثقفين كالأول. "تسييس الدين" -من وجهة نظر مستخدميه- يعني استعمال الدين كأداة سياسية متعارف عليها، وذلك بتوجيه من النظام الحاكم في تحفيز الهمم وتفعيل الطاقات، سواءً كان ذلك في الحروب أو الإنتاج أو الحفاظ على الهوية، وهذا بغض النظر عما هو هذا الدين ومَن أتباعه.

أما "تسييس الدين" كمصطلح -كما يراه الخصوم- فهو استعمال الدين في غير محله كأداة تقديم فصيل أو شخص إلى الناس على خلفية دينية تدفعه لتولي منصب قيادي أو سياسي أو اقتصادي.

الغريب أنك في كلتا الحالتين تجد نفسك بين وجهتي نظر متنافستين؛ ولذلك لا تستطيع تحديداً أن تجزم إن كان هذا الاستخدام محموداً أو مذموماً، ولكنك تنتهي في النهاية إلى أن التشهير بتسييس الدين (أو استخدام الدين في السياسة) يأتي من الخصوم، الذين هم أنفسهم لم ينجوا من هذه التهمة.

ولذلك، لا بد هنا من تأسيس قاعدة نتفق عليها، وهي أن الكفاءة السياسية لا تقف عند حد تديُّن السياسي المتمرس (وإن كانت بالفعل عاملاً مساعداً) بقدر ما هو تمكُّنه من ممارسة فاعلة بأسلوب يتناغم مع مناهج العلوم السياسية ومدارسها، سواء القديمة أو المستحدثة.

أما "تديين السياسة"، فيراه كثيرون شيئاً محموداً بالعموم إذا التقى واستجاب مع تطوير احتياجات الشعوب الإنسانية من غذاء وصحة وتعليم، فإنك لن تجد أحداً ذي رُشدٍ يكره أن يعيش بسلام وصحة وطمأنينة ويكره أن يكون ذلك لغيره تماماً. تديين السياسة تلاحظه عندما يتدخل أهل الدين وعلماؤه في شؤون الحكم وتوجيهه ليلتزم بمنهاجية أخلاقية.

يحضرني هنا حديث البابا فرنسيس عن الفقر وعدالة توزيع الثروات، وهذا أمر استهجنه أهل السياسة على اختلاف انتماءاتهم. فالرجل يبدو لهم أنه تجاوز حدوده في إلقاء المواعظ التي يَجبر فيها بخاطر الفقراء إلى المطالبة بأحقيتهم في ثروات بلادهم. لا شك في أن موقف البابا فرنسيس غير مألوف للشعب الكاثوليكي، ولكنه -بلا شك- مسَّ مشاعر كثيرين من أتباع الأديان الأخرى، وأنا أحدهم.

نعود للشرق بماضيه وحاضره، فتجد هناك صعوبة كبيرة في التفريق بين الاصطلاحين، وأعزو هذا إلى أنك -كقارئ للتاريخ الإسلامي والعربي- لا تجد مفراً من الانحياز إلى أحد الاصطلاحين دون الآخر.

ولكن الذي لا بد من وعيه والاعتراف به أن خصوصية الدين الإسلامي، وبصريح النص القرآني، لا تدع أمامك إلا التسليم بتديين السياسة، مستشهداً بالآية الكريمة "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ". ولكن يبقى أن القرآن، وهو يضع الخطوط العريضة لسلوك القائمين بشؤون الدولة، قد ترك لهم مساحات شاسعة من الاجتهاد بالرأي وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح، وهذه قاعدة معروفة في الفقه الإسلامي.

وعليه، فلا تلزم ممارسات الغرب للسياسة ممارسات الشرق له؛ بل إن الغرب قبِل بدخول الدين معترك السياسة بطريقة وبحجم يتناسبان مع طبيعة الشعوب ومدى تديُّنها، ويكفيك مثالاً أن الملكة إليزابيث، ملكة إنكلترا، ترأس الكنيسة الإنجيلية دون أي فصل بين الحكم (أياً كان شكله) والمنصب الديني.

أزعم أن قلة إنتاج فقهاء الإسلام في جانب عملية اختيار الحاكم وتطوير منظومة الشورى طوعاً أو كرهاً، أثر على تفاعل الناس مع طريقة حكمهم، وإن كانت أنظمة الحكم جائرة أو سالبة لثروات بلادهم؛ وذلك لقلة علمهم بالصحيح من الدين في هذا الشأن.

يبقى أن جهل الشعوب وتواطؤ القوى المؤثرة كالجند والمال والسلطة الفكرية، كانا العاملين الرئيسيين في خضوع وإذلال الشعوب الإسلامية والعربية على مر العقود الماضية، كما قال عبد الرحمن الكواكبي في كتابه المشهور "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" منذ قرن مضى.

إن شئت أن تدرك لماذا لا ينفصل الدين عن السياسة، فعليك بقادة الانقلابات في الجمهوريات وانظر إلى من يدعمهم. انظر كذلك إلى الملوك الفاسدين وقربهم من علماء الدين (أياً كان هذا الدين)، وانظر إلى المترشحين لمناصب بالانتخاب وتملُّقهم للمتدينين، إنك في كل هذه الأحوال ترى تسييساً للدين.

ولكن، إذا رأيت رجل الدين منبوذاً من السلطة ولا يُقرِّبه الحاكم ولا يقدِّمه، فاعلم أن رجل الدين هذا غير قابل للتسييس. وإذا رأيت رجل الدين مقموعاً ومضطهداً، فاعلم أنه قد حاول أن يديِّن السياسة بإسداء النصح، فكان جزاؤه المفارقة.

ويعجبني هنا رأي للمفكر الإسلامي مالك بن نبي في ضرورة عدم ممارسة رجال الدين السياسة؛ ليحافظوا على أهمية دورهم في توجيه ولي الأمر بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

أقول إن العلماء الصادقين ما كانوا يوماً مَطية الحكام ولا أندادهم، ظلوا دائماً روّاد الحق يدورون معه أينما دار، وهذا هو معنىً آخر لتديين السياسة. يبقى أن هذه وجهة نظر، ولكل قاعدة شواذها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.