المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

كأن لم يَدْعُنا

تم النشر: تم التحديث:

لم أجد في نفسي مشقة مثل أن أكون معنيّاً بهذه الآية الكريمة "وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (سورة يونس: 12).

وقد وجدت أن الدعاء لزوم الحاجة عند أكثر الناس، ومن منا لا يدعو الله إذا أصابته مصيبة، لا سمح الله؟ كلنا هذا الإنسان. في سورة العنكبوت بالآية 65، الله يعطي مثلاً لأناس أشد جحوداً من سابقيهم فيقول عز من قائل: "فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ".

إذن، نحن لدينا مثالَان لمن يدعو الله عند الحاجة فقط، أحدهما ينصرف إلى حاله وكأن الله هو رب الحاجات يقضيها أو لا يقضيها، فالأمر ينتهي عند هذه العلاقة. المثال الأكثر سوءاً هو لمن يدعو الله ثم يشرك به، ليس فقط جحوداً ولكن نكراناً للجميل. أعاذنا الله من أن نكون أحدهما.

المشقة التي يجدها كثيرون، هو أن المثال الأول يكاد ينطبق على أغلب أحوالنا، فيجد المرء نفسه متضرعاً إذا مسَّه الضر، ولكن قيمة التضرع تقلُّ عند فوات الضر عنه. وجدت أن علاج هذا الأمر يكمن في استمرارية الدعاء وليس في جودته، فقد ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- إلحاحه في الدعاء عند اشتداد الكرب، مثل دعاء بدر "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَد فِي الْأَرْضِ".

ودعاء الطائف "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملّكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".

غير أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- علّمنا الدعاء في كل حين وفي كل أمر حتى إن دعاء الاستخارة الذي نقوله عند الإقدام على زواج أو تجارة أو وظيفة، كان الصحابة يستعملونه في تقرير شراء أي الحذاءين. يعني أشياء ربما لا ندرك ما شأن الله في تقرير هذه الأمور، ولكن لأن الغرض هو أن تحفظ الله في قلبك على مدار الساعة وأن تدعوه في كل شأنك.

فهمت وقتها أن الدعاء يخرج بنا إلى شيء أكثر أهمية من مجرد اللجوء والاستغاثة بقدر ما هو إلصاق العبد بربه فيكون تابعاً له، حيث أراد وأينما أراد. وفهمت أيضاً معنى الحديث الشريف "الدعاء مخ العبادة".

بقي أن نتمرن على الدعاء، نعم نتمرن. يعجبني أحد أصدقائي الذين لم يشتهروا بإعطاء المحاضرات أو الوعظ أو الكتابة في هذه الجوانب، لاحظته عقب كل صلاة يرفع يديه بالدعاء. لم أره يتصنَّع تطويله أو إسماعه الناس، غير أني لم أدركه ينفضّ بعد الصلاة دون أن يختم صلاته ويرفع يديه بالدعاء. سأجتهد أمري واقتدي بصاحبي متوسمَين سنّة نبينا وآملَين رحمة ربنا. اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.