المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

ليس كل صبر جميلاً

تم النشر: تم التحديث:

الصبر من الطبقات العليا من مكارم الأخلاق التي يتحلى بها قليل من الناس، غير أنه ليس كل صبرٍ جميل.

الذي شغلني هو لماذا جاء وصف كماله في كتاب الله بالجمال دون كلمات ربما تؤدي إلى وصف الصابر بالتحمل والمثابرة مثل صبر متين أو صبر عزيز أو صبر كبير؟

فالله أمر نبيه محمد عليه الصلاة والسلام: "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ".

يعني يا محمد تأسَّ بمن سبقك من النبيين الأقوياء نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فالدنيا يا محمد ما هي إلا ساعة من نهار، ثم تستريح من عنت الناس ومشقة دعوتهم.

كم كان الله لطيفاً في مخاطبة نبيه كما هو يخاطبنا مثله تماماً ويهوّن علينا أمر الدنيا بتحدياتها ومصائبها.

تتبعت كلمة الجمال في القرآن لأعرف موقعها في كلام الله، فوجدت أن الجمال جاء في الآيات في قوله تعالى في سورة النحل: "ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون"، وهنا يأتي الجمال فيما يتجمل به ويتزين.

ثم جاء في سورة الحجر: "وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل"، يعني الصفح القادر الممتن.

وجاءت أيضاً في قوله تعالى في سورة الأحزاب: "يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً"، يعني سراحاً فيه عرفان بالأيام الطيبة وحُسن العِشرة قبل أن تتغير الأمور.

فإذا قرأت هذه الآيات مجتمعةً تخلص فيها إلى أن الصبر الجميل هو زينة يتزين بها صاحبها وفيها التحمل مع القدرة على إنفاذ الغضب وفيه رد الجميل وقت المفاصلة والمفارقة.

ثم تأتيك الآية المشهورة في قوله تعالى بسورة يوسف على لسان يعقوب عليه الصلاة والسلام: "قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون". فكانت هذه الآية جامعة لكل المعاني السابقة؛ إذ تمثلت في شخصية نبي الله يعقوب وقد أوحى الله إليه بتآمر أبنائه على ابنه يوسف حتى يتم أمر الله فيجتمع بنو إسرائيل بمصر، وقد تقلد يوسف منصباً كبيراً ثم تمر الأيام؛ ليأتي موسى فيأمره الله بإخراج بني إسرائيل من مصر بعد أن قضوا فيها سنين طويلة، ولله في خلقه شؤون.

إذاً نحن الآن بصدد صبر وقد انصهر فيه تأييد وقرب وعلم رباني، فجاء جميلاً لا يفقهه كثيرٌ من الناس ولا يدرون به، فصاحبه قد أخفاه؛ لأنه منحة ربانية جاءت إثر قربى تقرّب بها العبد لربه فقبلها وكافأه عليها.

بقي أن نعي أن الصبر الجميل ليس فقط على المصائب ولكن على النعم أيضاً، اقرأ قوله تعالى في سورة هود: "وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ"، وهذا أيضاً من الصبر الجميل. فكم منّا فطن أن ينظر في أحواله فيرى نعم الله فيؤدي فريضة الشكر لها، ويرى نِقَم الله فيؤدي فريضة الصبر عليها.

اللهم اكتبنا من الصابرين وزيّنا بصبر جميل ووفّقنا له، آمين يا رب العالمين، والله من وراء القصد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.