المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي حسين Headshot

تجديد الخطاب الديني بالولايات المتحدة من خلال تجديد تصميم المؤسسات الدينية

تم النشر: تم التحديث:

المؤسسات الدينية بالولايات المتحدة رغم اختلاف مشاربها تكاد تواجه نفس التحديات، وذلك لتماثُل الوظيفة التي يقومون بها ونفس الظروف التي تعيشها والتقارب في نوع وقيمة لاعبي الأدوار إلى حد كبير.

في هذه المدونة أحاول خلالها كمتخصص أكاديمي في تصميم المؤسسات أن أطرح حلولاً من شأنها أن تساعد هذه المؤسسات في التعامل مع هذه التحديات، والتركيز على الناحية التربوية التي هي صميم دورها وأصل وجودها.

ففي النهاية نحتاج جيلاً مؤمناً بالله؛ لأن هذا أفضل في عالمنا الغربي، بل في العالم أجمع.

المؤسسات الدينية بالعموم يمكن تصنيفها من ناحية التصميم إلى ثلاثة تصميمات مستندة لعاملين هما الدعم المالي والمرجعية الروحية:

أول التصميمات هو (المؤسسة التابعة)، فهي تتبع كياناً دينياً خارج الولايات المتحدة، وأهمها الكنائس الكاثوليكية ومنها اللاتينية والرومية، وكذلك الكنائس الأرثوذكسية القبطية واليونانية وغيرها.

المؤسسة في هذا التصميم تتبع روحياً رمزها الممثل بالبابا، ولذلك فهي مستقرة هيكلياً، وهذا يؤدي إلى استقرارها المادي لحد كبير.

التحدي الأكبر في هذا التصميم يتمثل في تقزيم دور الجالية في توجيه المؤسسة ودفعها إلى تطوير خطابها الديني، وهذا أعزوه لعدم المرونة وبطء القرار الروحي في تلبية احتياجات الجيل الشاب؛ نظراً لمركزية المرجعية الروحية خارج أميركا.

بالتالي هذا يؤثر على سرعة اتخاذ وصنع القرارات والفتاوى للزوم المطابقة والموافقة من الكنيسة الأم لأي رأي يقدم للجالية.

الحل هنا يكمن في حلحلة مركزية المرجعية الروحية بصورة ولو جزئية في بعض الفروع لتوفير نوع من التطوير النوعي والانسجام لحد ما مع متطلبات الجيل الجديد.

ثاني التصميمات هو (المؤسسة المتشخصنة) فهي تنشأ من بدايتها على فرد أو عدد قليل من الأفراد، وتنغلق عليهم المؤسسة بأفكارهم وجهودهم التي يعتنقونها دون الالتفات إلى انتقالية الإدارة أو التطوير خارج هذه الدائرة الضيقة، ومثال ذلك كنيسة المورمن ومساجد الصوفية.

وعلى الرغم من استقلالية الدعم المادي إلا أن فرصة نجاح هذا التصميم في التوسع الأفقي وزيادة أعداد المرتادين منخفض.

ذلك لأن نجاح المرجعية الروحية لهذه المؤسسة مرده بدايةً إلى التميز عن الآخرين وبالتالي فالجمهور متميز أيضاً.

أسوأ ما يفضي إليه هذا التصميم هو العزلة وأحياناً الخروج من الخدمة لو تزامن مع انحراف مالي أو أخلاقي.

الحل لهذا التصميم يرتكز على إخراج قيادة المؤسسة من حيز الدائرة الضيقة إلى دائرة تشمل الرعايا والشعب التابع لها، فذلك يضيف إلى الخطاب الديني بعداً واقعياً يحتاجه المرتادون.

ثالث التصميمات هو (المؤسسة المستقلة) وهي التي تعتمد كليةً على دعم الجالية المادي وهذا ننظر إليه بإيجابية؛ لأنه يعطي الجالية أهمية في إدارة شؤونها.

هي كذلك تعتمد على مرجعية روحية تاريخية، مثل مساجد السنة وبعض مساجد الشيعة التي لا ترتبط روحياً بمدينة قم بإيران.

هناك أيضاً معابد بوذية وهندوسية، مستقلة مادياً وتابعة روحياً لرموز تاريخية، هذا التصميم فرصته في التوسع الأفقي والرأسي أكبر من سابقيه لسببين: أولهما الاستقلال المادي الخالص، واستقلالية المرجعية الروحية أو الدينية.

نأخذ المراكز الإسلامية كمثال لتصميم المؤسسة المستقلة، ونوضح ما هي التحديات التي توجهها.

بدايةً لا بدَّ من التأكيد إلى أن استقلالية الدعم المادي يبدأ من ذي بدء بتوثيق ملكية المركز الإسلامي كعقار بالوقف الإسلامي لأميركا الشمالية، والذي يمثل بارقة مضيئة في تاريخ الإخوان المسلمين الأوائل الذين أتوا إلى الولايات المتحدة في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم من بقاع شتى، جاءوا ليؤسسوا هذا الصرح الضخم الذي ينضوي تحته ما بين ٥٠ و٨٠% من مساجد ومراكز إسلامية بالولايات المتحدة حسب أحد الإحصاءات.

الإشارة هنا كانت واجبة؛ إذ إن التصميم الثالث باستقلاليته المالية لم يكن كافياً لردع المؤسسين من استخدام وضع أسمائهم كملاك للعقار (حسب ما يتطلبه القانون) من طرد المصلين كلهم وبقوة الشرطة في حالة حدوث خلافات (ورأينا ذلك في القديم).

النوايا المخلصة غير كافية لضمان حقوق الناس، هكذا علمنا ربنا، فجاء الوقف الإسلامي ليضع "وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً"، سورة الجن: آية 18، في حيز التنفيذ، الآن المساجد والمراكز الإسلامية ليس لأحد سلطة في التصريح بمن يدخل أو مَن يخرج من المرتادين طالما يتبع النظام العام للمؤسسة.

تحديات المركز الإسلامي المستقل أربعة:

١. (الناس - التحدي الأول) وهو غياب دور الجالية الفعال في إدارة المركز، وأقصد هنا انحسار دور الجالية في التبرع بالأموال وحسب، دون مشاركة جدية في ترسيم خطط البرامج الدعوية وتنفيذها.

الحل لهذا التحدي يتمثل في إرخاء نفوذ المؤسسين المخلصين وإعطاء الفرصة للجيل الجديد لقيادة المركز، وهذا يتم بتصالُح بين أجيال الماضي والحاضر والمستقبل، فلا بد من تسليم هذه المؤسسات بصورة متحضرة يشارك فيها القدماء بنقل خبرتهم إلى الجيل القادم بإعداد مهني وتدريبي منظم.

٢. (المَقْصَد - التحدي الثاني) وهو عدم وضوح المَقْصَد من المؤسسة وعدم تطويره. فالغرض من المؤسسة الدينية (في رأيي) لا يتعدى التعليم (وأقصد به تعليم روح الدين ومنهجيته).

فكل الأنبياء جاءوا معلمين، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت معلماً". صحيح التصميم الثالث ربما نشأ في بدايته على توفير أماكن للصلاة، ثم تعليم الصغار ما يلزمهم من الدين بالضرورة بمدارس العطلة الأسبوعية، إلا أنه وبمضي الزمن وتغيير مساحة المسجد إلى مركز إسلامي أكبر وزيادة في أعداد المرتادين، فقد استوجب هذا تغييراً في الغرض ذاته من تأدية الشعائر والحفاظ على الهوية الدينية إلى التصدي إلى مشكلات أدق في تفصيلاتها لم يتعرض لها الجيل المهاجر الأول مثل المخدرات، والانحراف العقائدي والارتداد عن الملة، بل وعدم الإيمان مجملاً بوجود الخالق.

هذا التحدي -في رأيي- هو أعقدهم؛ لأن تأثير البيئة التي نشأ فيها الجيل الثاني مختلفاً عما تربى عليه الجيل الأول، وأن أدوات التعامل التي تحصن بها الأوائل تحتاج إلى تجديد وإلى منهج يكاد يكون غير تقليدي بالمرة.

الحل في تطوير الغرض يحتاج لجهد كبير تتم فيه بدراسة علمية متأنية تستند إلى توليفة ذكية من حقائق الواقع ودروس الماضي لتمكين الناس من عقيدتهم بسلاسة وتجانس مع الحياة، بل وربما مواجهة مشكلات الواقع بصراحة وواقعية.

هذا الجهد لا يتوقف ما دامت العملية التعليمية على قدم وساق، والتي يديرها أهل العلم والحكمة.

علامة الامتياز أعطيها للمركز الذي يحوي مكتبة قيمة تدار بطريقة احترافية يستفيد منها أفراد الجالية والعامة على حد سواء، والمنح المتوفرة كثيرة، ولكن يحتاج الأمر إلى عزم وجهد.

٣.
(هيكل المؤسسة - التحدي الثالث) وهذا التحدي له شقان في أغلب تصميمات المؤسسة المستقلة والإسلامية:

الشق الأول تجده في صراع القوة بين مجلس الأمناء [Board of Trustees] (الذي يعني بأصول المؤسسة العقارية والقائمين على توسعتها وصيانتها) ومجلس الإدارة [Board of directors] (الذي يعنى بوضع البرامج التربوية وتنفيذها)، والمجلسان هما المعترف بهما قانونياً بأميركا.

ويمكن التغلب على هذا الشق بإضافة مجلس استشاري [Advisory Board] وهو مجلس اختياري، بالإضافة إلى المجلسين السابقين: المجلس الاستشاري يصون حق الجالية في التعرف على مجريات الأمور من جهة محايدة وخبيرة.

وهنا يؤمّن للجالية دوراً إيجابياً في مناقشة التقرير السنوي لإدارة المركز.

المجلس الاستشاري ليس له حق التصويت ولكن له قوة تزكية أو نقد أو رفض أي مشروعات أو برامج مطروحة من قِبل الإدارة القائمة والتي تحتاج إلى تمويل الجالية.

تقارير هذا المجلس لا بد أن تكون معلنة للجميع دون إذن مسبق من أحد، وهذا المجلس يضم الخبراء وأصحاب الرأي من داخل المؤسسة وأحياناً من خارجها بالتزكية وليس بالانتخاب.

الشق الثاني في تحديات الهيكلة يتصدره رجل الدين (الإمام) وعلاقته بإدارة المؤسسة.

التحدي الموجود جاء نتيجة عدم صياغة العلاقة بين الطرفين في بداية التعاقد بطريقة دقيقة، فتجد نفسك بين مطرقة الإدارة وسندان الإمام، وكل منهما يستند إلى قوة لا يستهان بها.

فمجلس الإدارة يستند في قوته إلى أنه الممثل المعترف به وجاء بالانتخاب، والذي له سلطة التنفيذ ولو بسلطة القانون.

وعلى الطرف الآخر، يستند الإمام إلى القاعدة الشعبية وهي الجالية، فهو من يحل مشاكلهم ويؤمهم في الصلاة ويدخل بيوتهم ويمازح أبناءهم ويزور مريضهم ويعزي في موتاهم، فهو محل ثقتهم في الدنيا والآخرة.

بهذا الوضوح نحن أمام حرب عالمية في حال تصادم الإدارة بالإمام، الحل هنا كما أسلفت تحديد خطوط التماس والمساحات المشتركة التي هي دائماً محل الخلاف.

وأرى أن دور المجلس الاستشاري (وهنا أخص أصحاب الرأي والوجاهة بالجالية) في أهمية دورهم في الفصل بين نزاعات الإمام والإدارة.

الحل الأدوم هو تفريخ أئمة ودعاة من الجيل النابت من هذه التربة، ففهمهم لحدود العلاقة الإدارية والالتزام بها يهيئ الجميع للالتزام بخصائص الدور المنوط به.

4. (التخطيط - التحدي الرابع) وهما نوعان التخطيط على المدى البعيد (3 - 5 سنوات) والمدى القريب (6 أشهر - سنة واحدة).

أغلب مشاهداتي تميل إلى غياب التخطيط على المدى البعيد في المراكز الإسلامية، اللهم إلا في حال وجود أشخاص يتمتعون بهذه الملكة على رأس إدارة المؤسسة والتركيز على التوسع البنياني دون التوسع التعليمي.

لكن الأمر يحتاج أحياناً إلى مشورة من أصحاب الخبرات ولو من مؤسسات أخرى ولا عيب في هذا.

أما المدى القريب فلا عذر فيه، وأقله أن تقوم الإدارة باستطلاعات مستمرة تقيس من خلالها أحوال الجالية الإيمانية والاقتصادية والصحية والتثقيفية وغيرها.

الفرصة الأسبوعية لخطبة الجمعة لا بد أن تستغل استغلالاً انتقائياً، فإنك إن أردت أن تنقل الجالية من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) خلال عام، فلا شك أنك تحتاج أن تعرف بالتحديد ما هما هاتان النقطتان وما هي الأدوات التي تحتاجها لإتمام هذه النقلة، ثم ما هي العقبات المتوقعة أثناء التنفيذ وما هي الخطط البديلة؟ هذا يحتاج مهندسين ومفكرين ومخططين.

أرجو أن يستفيد من هذه المدونة أبناء المهجر بالولايات المتحدة والحكمة ضالة المؤمن.. أرجو لكم التوفيق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.