المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 مجدي هلال Headshot

عن تجديد الخطاب الديني كما يسمّونه

تم النشر: تم التحديث:

من كلام ابن قيم الجوزية، المتوفَّى 1349م، في كتابه "مدارج السالكين"، أن أئمة العلماء الأقدمين كانوا يحذرون الناس من تقليدهم في آرائهم؛ بل يأمرونهم بأن يعرضوا تلك الآراء على كتاب الله وسُنة رسوله، فلم يكن العالِم، من العلماء، يقدِّم الرأي ويقول هو الدين الصحيح؛ بل كان فَهمَ كل منهم بحسب اجتهاده، ويقدم معه أدلته، ويشرح منهجه، ومما شاع قول الشافعي إن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب.

ومن كلام شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود، المتوفَّى 1987م، أن الأساس في دين الإسلام هو الاتِّباع.

ومن كلام الشعراوي المتوفَّى 1998م، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد فسَّر القرآن وبيّن التكاليف والأحكام التي يثاب المرء إن فعلها، ويعاقب إن تركها، ولا يختلف فيها فرد في عصر عن عصر، فتحقق العدل بين مَن رأى رسول الله ومَن لم يرَه، مَن عاش في زمن الرسالة، ومَن لم يعيشوا في زمن الرسالة، إذاً فلا إضافات، إلا في التطبيق في الحالات المختلفة، ولكن الأسس ثابتة عن رسول الله.

فلمّا يكثر الحديث في السنوات الأخيرة عن تجديد الخطاب الديني، ونجد أعداداً من متحدثي وسائل الإعلام يقول كل منهم ما يهوى، ويتطاول بلا احترام في بعض الأحيان على قيمة علوم وعلماء الدين، يصبح الأمر مقلقاً، ويصبح فهم معنى التجديد أمراً لازماً، خاصة عندما تكون أسس وقواعد الدين قد أرساها رسول الله، وأتمها في حياته، وأشهد الله على أنه قد أدَّى وبلغ، ونزل القرآن يقول: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينَاً" (المائدة: 3).

ما أفهمه هو أن يكون الغرض من التجديد هو اتباع نفس مناهج الاستنباط والقياس، على أساس من نفس القواعد التي أرساها الرسول؛ للتعامل مع الواقع المعاصر، وليس تغيير الدين أو الأحكام، فلا يمكن أن يُلغى حكم، ولكنه يبقى قائماً؛ ليناسب الحال التي وضع فيها، ولأنه اتبع المنهج بشكل سليم، فهو سليم، فإن لم نجده مُيسراً في الواقع المعاصر، فلأن المدخلات إلى مناهج الاستنباط تحتاج أن تُعدل لنصل إلى حكم أكثر ملاءمة، وستبقى القواعد دائماً لا تتغير، ومناهج الاستنباط متبعة.

وفي كل مرة أقرأ أو أسمع فيها مَن يتكلم في التجديد، يلح علىَّ السؤال: ما هو الغرض من التجديد؟ ما الذي نريد أن يتعلمه الناس من الخطاب الجديد؟ ما هو الذي يجب أن يكون عليه فهم الناس للدين؟ هذا هو السؤال الأساسي، ويجب أن تكون الإجابة شاملة وكاملة، يجب أن تقدم الدين كله، بينما يقال ويعاد حالياً من كلام عن التجديد، له غرض محدد، فكلهم يتحدث عن كيفية القضاء على ما يسمونه التطرف، ونشر الاعتدال، وعن قبول الآخر، وتلك الأفكار، ولو قام التجديد على هذا الغرض، فلن يكون صحيحاً؛ لأن وجود غرض محدد لا يسمح بتقديم منظومة سوية شاملة للحياة، فإن الإسلام نظام حياة، لا بد أن يكون متكاملاً، وليس منطقياً تغييره وتوجيهه لمعالجة وضع خاص، تتضارب فيه التفسيرات والرؤى.

ومشكلة الكثيرين هي هذا التراث الضخم من علوم الدين، وهم على خطأ في اعتبار التراث مشكلة، فمطلوب أن نفهم كيف عاش الأوائل في بيئتهم، ونظموا أمور حياتهم، وليس مطلوباً أن نعيش كما عاشوا، فلو حكمنا أمور حياتنا بذات المقاربة التي حكموا بها أمور حياتهم، لجددنا ديننا.

وما كان أئمة المذاهب الأربعة، أو غيرهم، يظنون أنهم بيَّنوا لنا الدين، وعلينا أن نتبع ما قالوا؛ بل هم وضعوا مناهج للنظر والاستنباط، وطبقوها فيما عاصروه، فكل مَن تفقه مِن بعدهم اتبع ذات المناهج، ولم يكن مطلوباً منه أن يعيد أقوال أئمة المذاهب، وإلا لا تكون مناهج علم، فمعنى المنهج هو أسلوب للنظر في المعطيات بحسب الحالة محل الدراسة، وكيفية قياسها على القواعد والأسس من الكتاب والسنة، ثم استنباط الحكم، ولو كانت أحكام الفقهاء هي كل الأمر، لما كانت هناك مذاهب، ولصارت علوم الدين مجرد مجموعات من أقوال أفضل الفقهاء،

ولكنها لأنها مذاهب ومناهج بحث في قلبها، فهي أساساً أساليب للاستنباط والقياس، والنتائج تتغير بحسب المدخلات، وقد سجلت الكتب تطورات وتعديلات الأساليب على مدى العصور، وأبرز الأمثلة كان مذهب الشافعي الذي قدمه مرة في العراق، ثم عدَّله لما استقر بمصر، وهذه هي طبيعة العلوم بمختلف أنواعها، طبيعية، أو اجتماعية، أو فلسفية.

فنحن لا نريد ما قاله القدماء، وإنما كيف وصلوا إلى قوله، وما أعمالهم وفتاواهم وآراؤهم إلا الأمثلة، التي نفهم بها ونتبع مثالها، لا أن نتبعها هي، إن كانت مناهج الاستنباط لا تدعمها، بناء على المدخلات المستحدثة.

والمتوقع أن آراء السابقين لن تكون غير صالحة اليوم، إنما المشكل سيكون من عالَم اليوم، من تفاصيل جديدة لم تكن من قبل، وبالتالي مطلوب فيها تطبيق المنهج من جديد، ولا يحق أن ننبذ القديم لأنه قديم، فإن كتاب الله تعالى هو أقدم ما هنالك، فمنطق القِدَم لا قيمة له.

ولو أمكننا ألا ننساق وراء تطورات العصر، وضغوط العولمة، لكانت آراء السابقين تبقى كما هي، ولكننا لو قبلنا من العصر أموراً، ليس فيها ما يخالف أسس ومقاصد الدين، فإنها تقتضي أن نُعد مدخلاتنا إلى مناهج الاستنباط والقياس والاجتهاد، وننظر النتائج.

وما يخوض فيه كثيرون في هذه السنوات هو محاولات أحياناً للتخلص من المناهج، وللتملص من القواعد، والأسس، والثوابت، أحياناً أخرى، بالتشويه، والتسفيه، وسوء الفهم، ودعاوى الحق المراد بها الباطل، فيزعمون أن القرآن وحده كافٍ، مثلاً، ولكن مَن قال غير هذا؟ إلا أننا نريد أن نتبع منهجاً علمياً لفهم القرآن، وتطبيق تعاليمه وأحكامه، وهذا المنهج العلمي موجود، منذ مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وابن حنبل، وغيرهم من الأئمة، وما فعلوه هو أنهم صاغوا ما تراكم من معارف في صور أساليب منطقية محكمة، فمن يريد أن يجدد، فلينظر في المنهج، لا في الأسس، والقواعد، فإن طبق المنهج بشكل مبتكر لقبول معطيات العصر، فهو على الطريق، وإن وضع منهجاً جديداً، محكوماً بأصول الدين، فهو على الطريق، وكل ما هو خلاف هذا فيدخل في مسالك الهوى، والله أعلم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.