المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 مجدي هلال Headshot

تفكير استراتيجي للثورة

تم النشر: تم التحديث:

مضت ذكرى 25 يناير، وقد بدأ اليأس يتسرب إلى النفوس، لتفقد اليقين بما تريد، والدافع إلى مقاومة الواقع، ومنها رموز ثورية ينايرية بارزة، ويبقى أكثر من يتكلمون عن الثورة الآن يؤكدون أنها مستمرة ولا بد أن تنتصر وتحقق أهدافها، ويصف البعض و"يبشر" بذلك الانفجار الكبير القادم.

وإن صح أن النتيجة المنطقية، لاستمرار سياسة القهر الذي تمارسه الحكومة المصرية، مع فشلها المطبق في كل الجهات، هو انفجار يضرب مصر بشدة، يؤدي إليه ضنك العيش والقهر والمذلة، والإحباط وفقدان الأمل الكامل الذي عم المصريين، إلا أن الكلام عن أحداث السنوات الماضية، قد أصبح مجرد تعذيب وجلد للذات عند البعض، أو بحث عن البراءة من الذنب عند غيرهم، واستمتاع بالمآسي وتغني بأناشيد الحزن والحماسة عند آخرين، والدعوة واحدة، رغم اختلاف الميول، يقول الجميع ثوروا، واستمروا في ثورتكم، وربما لا أعلم دقائق ما يفعلون، لكنني وكثيرون ممن حولي غير قادرين على فهم ماذا يمكن أن تكون الخطوة التالية في هذا الاستمرار، وما الذي يؤدي إليه استمرار التظاهر، أمام نظام مستبد قد سد المنافذ كلها.

إن المستقبل المراد لا يأتي حتى نأتي به، فالحاجة شديدة لوضع تصورات هذا المستقبل المرغوب، ومعالم السبل المؤدية إليه، لقد كان خطأ يناير أنها وضعت هدفا مرحليا فلما تحقق بشكل مفاجئ لم يكن هناك تصور واضح لما سيكون بعده، وإن الغرض القائم حاليا عند كل دعاة الثورة هو استمرار التظاهر، واستمرار الرفض، وهذان في الحقيقة من الوسائل لا من الأهداف.

فما الذي كان سيحدث إن كبرت مظاهرات 25 يناير في الذكرى الخامسة، إلى حد يقارب الثورة الأصلية؟

قبل أي إجابة هناك مقدمات مهمة، فالنظام القائم أمر واقع ويملك السيطرة على الدولة، وله داعمون من الغرب وأميركا وإسرائيل والعرب، لأن لهم في وجوده مصالح جمة، وهو يملك القدرة الباطشة ولا يخشى قضاء ولا حسابا، ويتربح إلى أقصى حدود الخيال مما هو فيه، وإلى جانبه آلة إعلامية كبيرة، استطاع من خلالها ومن خلال النظام التعليمي والقبضة الأمنية الغليظة، في العقود الماضية منذ يوليو/تموز1952، أن ينشئ أجيالا تعوزها القدرة على استيعاب الحقائق على الأرض والشجاعة على السعي نحو ذلك، وله من هؤلاء مؤيدون، ومن خلفه الدولة العميقة ومتربحون آخرون من استمراريته، وهو نظام يتخذ من قهر المصريين، ودفعهم وراء لقمة العيش، سياسة أساسية لضمان استمرار السيطرة، ويستفيد من فزاعة الإرهاب، ويقدم نفسه للعالم كحائط صد أمامها، كما يقدم البدائل باعتبارها منافذ للإرهاب كما يتحدثون عنه (مع اعتقادي أن الإرهاب صنيعة داعمي هذا النظام)، فهذه بعض معالم الواقع الذي يقوم فيه النظام الحاكم في مصر.

إذن فتغيير هذا النظام لا يكون بالتظاهر والرفض فقط، بل بخطط أكثر ذكاء للتعامل مع هذا الحال، والبادي هو أن شركاء الثورة ما زالوا تائهين، ولم يستجمعوا بعد قواهم لوضع التصور المطلوب للهدف الإستراتيجي لمستقبل البلاد، وتصورات الطرق المؤدية إليه، وإن غياب هذه التصورات هو سبب الخلاف بينهم إذ لن تجتمع جماعات إن لم تستهدف ذات الهدف.

وفي وسائل الإعلام الثورية أو الداعمة للشرعية أو غيرها مما توصف به، هناك كلام قوي وحماس حقيقي، وهناك بكائيات شعرية، والعجيب أن يتبع الكلامَ التصفيقُ والابتسامُ، والأعجب أن شعرا بكائيا على ثورة يناير تصاحبه آهات كثيرة وتبسم وإعجاب وتصفيق، ولم أجد فيما سمعت أساسا ملموسا للبناء عليه إلا قول الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي بأن الاختلاف هو سنة الحياة، وأن الدعوة للتوحد والاصطفاف خيال، بينما الواقعية والصدق في الرغبة في الانتصار يقتضيان تنسيق الجهود وتداعم الجماعات كلها من أجل الغرض الإستراتيجي، بغض النظر عن اختلافاتها الفكرية.

وكانت أيام يناير الدليل على ذلك، ففي الميدان كان الجميع معا لا تفريق بينهم، رغم ما في نفوسهم من ميول متضاربة، وربما عداوة لأفكار شركائهم في الميدان، ولكنهم كانوا معا صفا ضد خصم محدد.

فالتنسيق بين كل المختلفين هو الأساس، مع صدق النوايا في تحديد الخصم والهدف الأسمى، لا توحد ولا اصطفاف توحدي، ولا إزالة حتى للخلافات، بل تحالف بين مختلفين وتنسيق وتناصر وتداعم، وكل يقدم ما يستطيعه في إطار خطة مرسومة ذات هدف ورؤية أعلى من الاختلافات، وعند الخطوات والمراحل الجزئية فليقدم كل فريق ما عنده، بحساب القرب أو البعد من الهدف، دون ذلك من حسابات، ويسعى كلٌ بما لديه من أساليب نحو الهدف في تناسق، لا نحو التقدم على الآخرين.

من المؤلم القول بأن النظام في مصر أمر واقع ومسيطر، مهما يكن مهتزا، ورفضه فقط لن يكفي كمضمون للعمل من أجل مصر، والوضع الثوري القائم يستهدف فقط، على ما يبدو، مجرد استمرار الزخم، ودوام الحال، على أمل حدوث طفرات، أو هبات بين جموع الناس، أو ذلك الانفجار المرتقب، وإن استمرار التظاهرات والتفاخر باستمرارها لأعوام، دون رؤية موجهة، هو طريق فشل وموت محقق، فللصمود والثبات فضل كبير، لكن لا يمكن لجندي أن يستمر في مكانه بدون أن يعلم أن هناك من استمراره غاية معتنى بها، وأن استمراره جزء من طريق الوصول إليها بحسب خطة محددة، وبغير ذلك يفقد اليقين والدافع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.