المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 مجدي هلال Headshot

بحثاً عن مخرج من الواقع العربي

تم النشر: تم التحديث:

قبل أيام قال الرئيس التركي السابق عبدالله جول في إحدى جامعات الكويت، إن الإرهاب في الشرق الأوسط محصلة عقود طويلة من الاستبداد السياسي والظلم والقهر الاجتماعيين المتداخلين مع جهل وفقر وتخلف حضاري ترزح في ظله شعوب المنطقة، وحذر من أن الشرق الأوسط إن لم يقم بحل مشكلاته بيد أبنائه فسوف يأتي الغرب ويحلها لنا بما يوافق مصالحه لا مصالحنا.

عادة ما يصف المراقبون الحركات المتشددة العنيفة بالأصولية، في حين أن الأصولية كفكرة ليست مرفوضة، ولكن المشكلة تحدث عندما تكون الأصولية متصفة بعدم القدرة على التعايش أو رفض التفاعل الإيجابي مع الواقع المحيط، وتحدث أيضاً عندما تكون الأصولية هي المهرب الذي يلجأ إليه من لا يستطيعون أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في واقعهم.

وفي الواقع العربي من الدوافع والمحفزات نحو الأصولية غير السوية ما يكفي ويزيد، من الديكتاتورية والاستبداد والفساد والظلم، والفقر الشديد في مكان والغنى الفاحش في آخر، والتعليم الذي لا يجدي نفعاً في العموم، وزاد الطين بلة في العقدين الأخيرين، توسع وسائل الاتصال الحديثة عبر الإنترنت، التي جعلت الواقع الحديث بسمته الغربي يغزو كل مكان ويستثير حماسة البعض أحياناً، ويستثير حفيظتهم في أحيان أخرى، وفي كل الحالات يثير غيظهم وحنقهم من واقعهم الذي هم فيه، فتتباين ردود الأفعال ويصل بعضها إلى ما يسمونه الإرهاب الذي نراه.

فهل نحن المسؤولون تمام المسؤولية؟ لابد أن نكون مسؤولين ولاشك، لكن يجب أن نفهم كيف نشأت ظروف حياتنا المعاصرة وكيف وصلنا إلى هذا الواقع المرير، وبجانب ذلك لا أريد أن أغفل تلك الرؤية التي تقول إن الإرهاب في الشرق الأوسط والبلاد العربية والإسلامية المحيطة به إنما هو نتاج أعمال أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وقد لا يمكن التدليل على هذا، إلا ببعض ظواهر الأحداث، ولكن فكما قال الرئيس التركي إن لم نحل مشكلاتنا بأنفسنا فسوف يأتون لحلها لصالحهم لا لصالحنا، وصالحهم غالبا لا يتفق وصالحنا، وقد ضرب الرئيس المثل بأفغانستان والعراق، ولم يكن يحتاج لأن يذكر أحدا بما يجري في سوريا، ولا ليبيا ولا اليمن، ولا فلسطين، ولا يكون هذا مهربا من مواجهة الواقع، فالقاعدة هي أنه ما كانت أي قوى أجنبية تستطيع أن تفعل هذا بنا لولا أن الاستعداد للانصياع لهم متوافر عندنا، وأن الأيدي الفاعلة فعلا مباشرا هي أيدينا نحن.

قبل عقدين أو أكثر، قدم الفيلسوف الفرنسي جارودي تصوره لنشأة الأصولية المعاصرة، مرجعا إياها إلى مصدرين أساسيين: الأول هو قمع واضطهاد أصحاب الهوية أو العقيدة الذين تنشأ فيهم تلك التوجهات الأصولية المؤدية إلى العنف في التعامل مع الواقع، والثاني هو هيمنة وسيطرة الحضارة الغربية على العالم المستمرة منذ خمسة قرون، مع ما تحمله من قيم منفلتة وغير إنسانية بقدر كبير، وإنه لأمر يثير الاهتمام بشدة أن تتزامن بداية الحركات الاستعمارية الغربية للشرق، مع بدء انتهاج الأفكار الليبرالية والرأسمالية في بداية عصر النهضة الأوروبية، فقد غزت أوروبا العالم واستغلته، بمنطق الرأسمالية وقانون السوق، فلما اضطرت للتخلي عن الاستعمار المباشر، وضعت من النظم الدولية، ومن نظم الحكم في الدول التي كانت مستعمرة ما يضمن استمرار الهيمنة، على أساس اقتصادي، و تحافظ على ذلك مؤسسات كصندوق النقد و البنك الدوليين و ما شابههما، والتي تقيم في الدول الأضعف اقتصادات مشوهة تستهدف سداد ديون لا تنقضي، دون مصلحة الشعوب في الدرجة الأولى - هكذا قال جارودي في كتبه "الولايات المتحدة طليعة الانحطاط"، و"كيف صنعنا القرن العشرين"، و"الأصوليات المعاصرة".

وفي النظر في تجربة النهضة التركية خلال السنوات الأخيرة، نرى بوضوح أن الاقتصاد كان القاطرة، والهدف في الوقت ذاته، فقد انتقلت تركيا من شبه الإفلاس إلى أن تكون الاقتصاد السادس عشر عالميا، بالتركيز على الإصلاح الاقتصادي مع انتهاج أساليب الحكم الرشيد، ومن تلك المكانة بدأت عمليات التغيير الاجتماعي وغيرها من الإصلاحات، بعدما تحررت من كامل الديون للمنظمات الدولية، وبدأت تعامل العالم بندية واضحة، وقدرة أكبر على التفاعل والمشاركة، ولعلنا لو استعدنا الحالة الماليزية في القرن الماضي سنذكر أن ماليزيا قد عبرت حاجز التقدم والتحضر عندما اجتنبت الانصياع لتوجيهات صندوق النقد والبنك الدوليين.

وقد احتل الغرب المنطقة العربية، فلم ينشأوا اقتصادا، بل أعدوها لاستنزاف ما فيها ولتكون سوقا لهم، فلم يقم اقتصاد في مصر مثلاً إلا بمبادرات فردية كطلعت حرب وصحبه، ومن قبل كان محمد علي في مصر قد أنشأ صناعة ودولة قوية ناطحت الدولة العثمانية، فاجتمعت عليها أوروبا وهاجمتها وحجمت جيشها وبالتالي دمرت اقتصادها، ثم احتلتها انجلترا لاحقاً من خلال شركة قناة السويس وما ارتبط بها من ديون، كما احتكروا النفط الخليجي بشركات كبرى اتخذت شكل المشاركة، وبعد مرور ما يقرب من مئة سنة لاتزال الأوضاع كما هي، شركات غربية الأصل تستخرج النفط، وشريك محلي يجمع ثروات لا يستفاد بها وتتراكم في بنوك الغرب ذاته، ولم تعمل الشراكة لتكون قاطرات تنمية شاملة، فإذا انخفضت أسعار النفط كما هو حادث، وجدت تلك البلاد نفسها في أزمات قاسية.

وقد نذكر أن التوجهات الاقتصادية لنظام حسني مبارك في مصر، من خصخصة وإطلاق أيدي رجال الأعمال مع الاحتكار وتخلي الدولة عن دورها الاجتماعي، قد أدت إلى نمو اقتصادي متسارع بشهادة تلك المنظمات الاقتصادية الدولية ودول الغرب، بينما أدت في مصر إلى ثورة شعبية قيل لم يسبق لها مثيل في التاريخ.

فيقوم السؤال: هل في ذاكرتنا على مدى قرن أن استطاعت التدخلات الأجنبية الغربية منها على وجه الخصوص أن تحل أياً من إشكالات المنطقة، أو أن تقدم دعماً حقق فيها شيئاً من التحضر الحقيقي، أو قلل من خصوبة تربتها لنشأة الميول الأصولية غير السوية ومن التوجهات الموصوفة بالإرهابية؟ إنه سؤال محوري في سبيل البحث عن سبل الخلاص.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.