المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 مجدي هلال Headshot

منظومة القيم المفتقدة "3" - رواية الفيل الأزرق

تم النشر: تم التحديث:

اشتهرت رواية الفيل الأزرق والفيلم المأخوذ منها كثيراً في الأعوام السابقة، ورُشحت لجائزة البوكر العربية، ومؤلف الرواية هو مؤلف "تراب الماس" التي تحدثنا عنها من قبل، فأوصلتنا إلى أن منظومات القيم المجتمعية لا داعي لها، وهي نتيجة صادمة تتأكد بعد قراءة الفيل الأزرق، التي تعرض شريحة فقط من المجتمع، ثم توحي بعموميتها بدرجة ما، وهو عمل طويل، شديد العمق، أو يمكن التعمق في تفسيره إلى مدى بعيد، فيه نفس حالة الفصام الموصوفة في تراب الماس، مع شيء من التركيز على الحياة الخاصة، فنحن لا نعيش إنما نتظاهر بالعيش، ولا أحد يمارس حياته كما يحب، بالتحديد، لا أحد يعيش مع مَن يحب، فلا يحيى تزوج من أحبها، ولا أحب زوجته، ولا سامح، ولا لبنى، ولا تاجر البغال القادم من عمق تاريخ مصر المملوكي، ولا حتى شريف نجح نجاحاً تاماً، وكان الثغرة التي دخل منها العفريت، على يد تلك المرأة الغريبة رسامة الوشم، التي أرادت أن تساعد الناس لينالوا أي متعة حتى ولو وهماً، فالمجتمع كله أخطأ التصويب جماعياً وفردياً، والبعض يستسلم ويعيش، والبعض يبقى يعاني ولا يفلت من الأسر، والبعض يختلق الوهم ويتباهى به، كمثل ذلك المقامر الذي كان يحكي مغامرته النسائية، ثم ظهر أنه عاجز جنسياً.

والشخصية الرئيسية سكّير مقامر، لكنه البطل في القصة، والوحيد الذي نال الفرصة الثانية ليدرك بعضاً من الحياة مع مَن يحب، نالها بعدما انتصر على العفريت، وهزم سجن الماضي، والخلاصة الممكنة أننا لا نستمتع بالحياة، بل نسير فيها مشلولي الإرادة، بل إن المتع الكبيرة فيها لا نمارسها بأنفسنا، بل يَتلبّسنا جِنٌّ يمارس فينا متعته، وكان لا بد من التخلص من هذا العفريت، فالفراغ لا بد سيملأه شيء، وكان العفريت يملأ فراغات مشاعرنا في الحياة التي نحن محبوسون فيها، والعلاج كان يتطلب أن نعود إلى الماضي لنتخلص من هذا العفريت، ماضي المجتمع، فمشكلتنا في بنية مجتمعنا وموروثاته، ولا بد من بتر الداء، حتى وإن استلزم الأمر المخدرات والخمور من أجل أن نهرب من محبسنا فنقابل أنفسنا الحقيقية -هكذا قالت الرواية- فنقتل العفريت ونعود أسوياء، ونصيب أهدافنا في الحياة التي نريد مع مَن نحب.

والبطل في ذلك هو المثال لكل ما ليس من هذه البيئة بقيمها المستمدة من الدين كما يفترض، فالمؤلف لا يرى مجتمعاً، بقدر ما يرى أفراداً يضمهم مكان واحد، ولا ينظم تفاعلاتهم أي منظومة من القيم يمكن التعرف عليها.

يعيش يحيى حياة غارقة في الخمور والمخدرات والقمار والجنس، ويبالغ الكاتب في وصف سلوكياته، لدرجة يمكن أن تشعر القارئ أنه ستصيبه القذارة من عرق يحيى، أو خموره المهدرة هنا وهناك، ويغرقنا المؤلف من جديد بالتفاصيل، والتشبيهات الغريبة، بنفس أسلوبه اللغوي واللفظي في "تراب الماس"، وهنا أضاف حنكة تُحمد له، في الاستعانة بمتخصصين في الطب النفسي، وربما التاريخ المملوكي، ليكتب عملاً متقناً حِرَفياً، كما أن أسلوبه صار أكثر تطوراً، فهناك محاولات لرسم شخصيات أكثر عمقاً، وكانت من أفضل فقرات الكتاب تلك التي تحدث فيها يحيى مع نفسه مستعيداً ذكرى زوجته وابنته، اللتين قتلتا في حادث، فقد قربت تلك الصفحات شخصية يحيى كثيراً، وأخرجت الرواية شيئاً ما من جو أفلام السينما، الذي يفضله المؤلف.

الفكرة والمغزى كما بدتا في الكتاب، وفي العمل السينمائي كذلك، كانت جادة وجيدة للغاية، وأتقن المؤلف تفاصيلها، على أن النهاية في الرواية جاءت مفاجئة، فقد أفاق يحيى ليجد نفسه تزوج لبنى منذ سنوات وأنجب منها، ثم يواصل الاكتشاف فيجد أن العفريت نائل قد نال منه، وهي نهاية تناسب الجو السينمائي أكثر، ومع هذا لم يقدمها الفيلم، وهي نهاية غير متسقة، مع الخط العام، فقد كان يكفي أن تترك لبنى زوجها لتتزوج يحيى، لا بأس، باعتبارها مثالاً ونتيجة للتخلص من العفريت والسعي لنيل الحياة الصحيحة، لكن أن يتلبّسه الجن الذي تم القضاء عليه، فهي فانتازيا لا محل لها، أو ربما أراد الكاتب أن يقول إننا لو لم نتأكد من القضاء على العفريت، فحتى فرصتنا الثانية ستكون انتصاراً له لا لنا.

هذا تفسير لفصل النهاية يضعف القصة، وهناك تفسير يجعلها قوية جداً، ففي "فقرة الفيل الأزرق" الأخيرة بعد القضاء على العفريت، رأى يحيى تلك الزوجة من العصر المملوكي، زوجة تاجر البغال، وهي الضحية الأولى في التاريخ لفعل ذلك العفريت، كانت تقترب منه كأنما ستُقبّله، وتنصحه باسمة بسمة موحية ألا يتزوج ممن تزوجت غيره من قبل، بل يأخذ البكر، فلما أفاق وجد نفسه تزوج لبنى منذ سنوات ولهما أولاد يذهبون إلى المدارس، وكل شيء يوحي بحياة سعيدة، رغم مخالفته للنصيحة المتوارثة في المجتمع ألا يتزوج إلا من كان هو رجلها الأول، فتزوج لبنى حبيبته ليكون رجلها الثاني، وهو سعيد ومنذ سنين، فلما يرى نفسه في المرآة وقد غزا وشم العفريت كتفه وذراعه، فهي علامة انتصاره المبرم، على العفريت، بل قد نقول إنه تَلبّس العفريت لا العكس، وعاش كما أراد، فحتى إن كان العفريت هناك، فالسعادة سعادته هو، والمتعة متعته هو، ولن يستطيع عفريت أن يسرق جسده أو أن يسلبه متعته، ويمنعه من حياته التي يريد، فلقد اجتث الداء، وتحرر من أسر الموروث.

وأميل للتفسير الأخير، فبرغم ميول الكاتب للسينما فإن العمق الذي أجده في القصة يسمح بهذا الانتصار الكبير، يقول الكاتب إن مجتمعنا قائم على أخطاء ويظل يراكم الموروثات فوق هذه الأخطاء حتى تحكمه مهما فعل وسعى نحو سعادته، فلا بد أن نهرب من أنفسنا المستسلمة للماضي حتى ننسل في داخل هذا الماضي فنقتل العفريت الكامن لنعود إلى واقعنا فنعيشه.

وكان يحيى لم يتزوج لبنى رغم الحب لأن أخاها شريف، صديق يحيى رفض، فقد كان الصديقان عابثين لاهيين معاً، ولم يرضَ الأخ لأخته ذلك الحبيب العابث، أليس هذا هو النفاق؟ يقول الكاتب كان على شريف أن يوافق، بدليل هذا النصر الكبير في النهاية، ولكن الكاتب لا يقول إنه كان على شريف وعلى يحيى أن يتطهرا مما كانا فيه من عبث، وذلك لأنه لا يرى مجتمعاً ذا قيم، بل مجتمعاً منافقاً يعيش في فصام، فهو يرفضه، ويجعل الحرية هي الأساس الوحيد، ولما تكون الحرية المطلقة هي الأساس الوحيد لتعايش الناس، فإنها تصطدم بالدين؛ لأن الدين كفكرة هو مجموعة مترابطة من القيود على سلوكيات البشر من أجل صالحهم جميعاً، تقيد كل واحد منهم عن بعض أشياء لا يحبها الآخرون، ولكنها أيضاً تقيدهم جميعاً من أجله هو، فليس في مجتمع الفيل الأزرق إلا أفراداً يسعون وراء المتع في هذه الدنيا وهذا السعي هو دينهم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.