المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي عبد الهادي Headshot

أرستقراطيو مصر اللصوص.. امتيازات بلا مقابل

تم النشر: تم التحديث:

كان يمكن أن يمرّ كغيره من آلاف البوستات لو اكتفيت بمقدمته مُتصوراً إياه "بوست" من بوستات "اللهم هجرة" المملة إياها، لكن لسبب أجهله استكملت البوست؛ ربما كان فراغاً أو فضولاً غير معتاد، أو ربما كان أسلوب كاتبه الجيد نسبياً أو لعلّها كلمات "الطبقة" و"المزايا"، فضلاً عن رقم في صورة نسبة مئوية، مما استثار شهية الاقتصادي والمحاسب بداخلي!

البوست هو وثيقة اجتماعية من الطراز الأول، فهو يكشف حقيقة أرستقراطية مصر المنحطة، أرستقراطية اللصوص التي لا مبرر لوجودها، التي سرقت امتيازاتها واغتصبت مكانتها، فلم تكسبها بمقابل أو بفائدة حصّلها المجتمع؛ لا غرابة أن يتخلف المجتمع باستمرار، فامتيازات ومكانة من هذا النوع هي عبء وثقل يقيد المجتمع ويؤخره؛ كونها ليست مرتبطة بنتاج أو بضرورات حركته للأمام.

يقول البوست الوثيقة:

"كلنا نريد الهجرة، لكن كلنا أيضاً لا نريد أن نهاجر، فكما ترون كلنا نريد ممرات الدراجات ومحلات البقالة الجيدة وإشارات المرور والحضارة والمكتبات المحلية ومترو الأنفاق وأنظمة الرعاية الصحية الملائمة، لكننا أيضاً لا نريد أن نخسر امتيازات الطبقة العليا والشريحة العليا من الطبقة الوسطى وملوخية جداتنا وسائقينا وخادماتنا والساحل والشيشة الرخيصة وصداقاتنا وقراباتنا".

"إن مشكلة الهجرة للغرب أنك ستصبح حتماً مواطناً عادياً، وتخسر كل المكانة التي بنيتها عبر سنوات في بلد لا يشبهك فيه سوى 10% من سكانه؛ حيث تنتقل لمكان يمكن فيه لأي شخص أن يحصل على الأشياء التي تستطيع وحدك الحصول عليها في وطنك، ولا تصبح لك قيمة إلا بالعمل الذي تقدمه، ولا يبقى للتيشرت الغالي الذي ترتديه في المدرسة أي أهمية، ولا أحد يبالي باسم عائلتك، بل ولا يستطيع حتى نطقه".

"عندما تهاجر؛ تغدو الصفحة فارغة، وسيتوجب عليك وحدك أن تملأها ثانيةً، بدون اسم عائلتك وبدون رصيدك في البنك وبدون مساعدة ممن تعرفهم وتجالسهم".

أظن أن الكلام واضح بشكل يغني عن أي تعليق، أرستقراطية مصر تريد امتيازات لها وحدها دون باقي خلق الله الذين تحب أن يبقوا فقراء؛ ليبقى لها تميّزها، وليكون لديها منهم سائقون وخادمات، والأدهى والأمرّ أنها تريد كل ذلك دون العمل والجهد اللذين أصبحا معيار القيمة في العالم المتقدم كله منذ عشرات السنين على الأقل، بل باسم العائلة والعلاقات الاجتماعية والرصيد البنكي الموروث والمظاهر الاستهلاكية كالملابس ومحل الإقامة.. إلخ من أدوات تمايز اجتماعي متخلفة تجاوزها الزمن، إنها تريد مكانة وامتيازات بلا مقابل، تريد أن تكون أرستقراطية مجانية!

هذه هي بالضبط الأرستقراطية التي مرّغت بأنف مصر التراب، حفنة من اللصوص طلبة المكانة بلا مقابل، والامتيازات دون جهد، والمكاسب دون عمل، لا عجب أن كرّسوا هذه الأوضاع في هذا البلد نافين عنه صفة الوطن، فسادته المحسوبية والمظاهر، وعمّه الفساد أساس كل انحطاط، وغابت عنه المعيارية قاعدة كل تقدم.

لهذا دائماً ما كانت امتيازات السادة في كل مكان موضوعاً للنقد والهجوم، فهي كثيراً ما يكون فيها جانب مجاني كالذي يغلب على امتيازات أرستقراطية مصر، وغالباً ما تتضمن سرقةً ما، سرقة تستفز كل إنسان سويّ الفطرة رافض للظلم مؤمن بالعدل، فضلاً عن المحرومين والمظلومين أنفسهم؛ ليتصدوا لها فحصاً وبحثاً بالكلمة والرقم، وفضحاً وقدحاً بالورقة والهتاف، ومناوءةً ومواجهة بالدم والسلاح!

لكن هذا جانب واحد فقط من الصورة، فامتيازات السادة هذه في أصلها لم تكن مجانية، وإلا ما وُجدت من الأصل، فهي بالتأكيد لم تكن نتاج سيوفهم فقط كما زعم هيغل يوماً بثنائيته السيد الشجاع الذي قدّم حريته على حياته مقابل العبد الجبان الذي تخلّى عن حريته مقابل حياته، تلك الثنائية المثالية لفظاً ورسماً كما يليق بفيلسوف عظيم نعم، لكن يقف ديالكتيكه مقلوباً، تحتل قدميه موضع رأسه!

بل إن تلك الامتيازات كانت في أغلب الأوقات وفي معظم المواقع مُبررة بشكل ما، فلها أسبابها الموضوعية الناشئة من صلب الواقع الاجتماعي وسياقات تطوره التاريخي، ولهذا بالذات كانت مؤقتة ومحدودة بحدود هذه الأسباب اجتماعياً وتاريخياً، فبمجرد غياب تلك الأخيرة وتجاوز الواقع لها، كانت تلك الامتيازات تتحول لعبء بغيض لا مبرر له في نظر المجتمع؛ بما يدفع مظلوميه لالتهام هؤلاء السادة الذين لم يعد لوجودهم غاية ولا لبقائهم ضرورة.

وهكذا فلا بد من مبررات عملية لامتيازات السادة، فأن تصبح مجانية هو دليل على تجاوز التاريخ لها، أو بالدقة تجاوزه لهذا الشكل من الامتيازات، خصوصاً إذا كانت تتعارض مع ما وصل إليه التطور الإنساني من ضرورات إدارة اجتماعية ومعايير كفاءة بكافة أبعادها، لا غرابة أن رأى عالم الاجتماع البرجوازي إميل دوركايم (1858 - 1917) - في سياق رؤيته الاستقرارية غير الثورية للنظام الاجتماعي - في اللامساواة الاجتماعية، التي تعني بمعنى ما غياب المعيارية، المصدر الغالب للأشكال غير السوية من أنظمة الإنتاج والتنظيمات الاجتماعية؛ حيث تهدد التضامن العضوي بين أجزاء الجهاز الاجتماعي؛ بما يضعف إمكانية التوافق على تراتبية المكانات الاجتماعية، أي قبول الأشكال المختلفة والمتفاوتة من الامتيازات، وبالتالي استقرار النظام الاجتماعي من عدمه.

لا عجب إذاً من حالة الفوران الاجتماعي التي قادت لانتفاضة 25 يناير/كانون الثاني 2011م، والتي من المُتوقع أن تقود لغيرها في الأفق غير البعيد، فالثورات لا يحرّكها الجوع والفقر فقط، بل إن دافعها الأبعد هو اشتداد التفاوت وانعدام المعيارية الاجتماعية في حد ذاتهما، وما يسميه أصحاب الامتيازات حقداً هو في الواقع طبيعة بشرية سويّة تعترض على التمييز غير المُبرر الذي لا يستند لأسباب موضوعية ولا تقابله قيم قُدمت للمجتمع، وهو أمر أثبتته الدراسات النفسية، فالموظفون في أماكن العمل ينشغلون بفوارق الرواتب فيما بينهم بأكثر مما ينشغلون بمستويات تلك الرواتب نفسها، خصوصاً إذا شعروا ألا مبرر لها من عمل أكثر أو تأهيل أعلى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.