المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي عبد الهادي Headshot

كيف نعالج البُعد التجاري في أزمة الدولار؟

تم النشر: تم التحديث:

ما تعانيه مصر من أزمة اقتصادية ضخمة هو نتاج عدد من الاختلالات الهيكلية والنوعية، استثمارية وتجارية ومالية ونقدية.. إلخ، وهي تمثل انعكاساً لتفاعلات السياسات والممارسات الاقتصادية مع الهياكل الاقتصادية والاجتماعية السائدة، ورغم محورية الأخيرة في الأجل الطويل، فإن الأولى تلعب الدور الأبرز في الأجل القصير، ما يبرز أهميتها في سياسات المعالجة قصيرة ومتوسطة الأجل، لكن الجزئية غير الحاسمة بطبيعة الحال، لآثار تلك الاختلالات.

ولا شك أن في هذا القول قدراً من التبسيط والاختزال، فليس ثمة أسوار صينية بين الهياكل من ناحية والسياسات والممارسات ناحية أخرى، فالثانية في واقعها هي نتاج للأولى بصورة من الصور، إلا أن هذا لا يعني افتراض كونها انعكاساً كاملاً لها، وإلا بهذا نكون قد ألغينا أي دور للفاعلية الإنسانية!

ورغم التداخل بين كافة أشكال هذه الاختلالات، فإن أغراض التبصّر فيها وبناء السياسات الملائمة لها تتطلب عزلها مرحلياً، خصوصاً عندما يتطلب الأمر حلولاً قريبة نسبياً لا تستوعب ولا تستطيع - بحكم طبيعتها وبحكم الطبيعة العاجلة والحالّة للمشاكل المطروحة - تقديم علاج شامل للاختلالات في تشابكاتها الواقعية، وسنحاول في هذه العجالة تناول حجم وعلاج أحد أهم وأبرز هذه الاختلالات، وهو اختلال مصر التجاري، أحد الروافد الأساسية والأبعاد الجوهرية في أزمة الدولار المُستعصية في مصر.

أبعاد الاختلال التجاري:

من جهة الحجم الكلي للتجارة الخارجية بالنسبة لحجم الاقتصاد المصري، الذي يشير لحجم اندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي؛ ومن ثم درجة انكشافه على الصدمات الخارجية والأزمات العالمية، نقول إنه من جهة الحجم الكلي للتجارة الخارجية يشير تقرير البنك المركزي المصري لعام 2014 - 2015م (وهو المصدر المُعتمد في باقي بيانات المقالة) إلى أن حجم التجارة الخارجية بلغ 24.9% من الناتج المحلي الإجمالي المصري، وهي نسبة عالية بالنسبة لاقتصاد ليس صغيراً، وفي ضوء متوسط الدخل الفردي المنخفض، تعتبر نسبة عالية، ويمثل هذا أول الاختلالات التجارية على المستوى الكلي.

ومن جهة العلاقة بين الصادرات والواردات في نفس العام 2014 - 2015م، مثلّت الصادرات السلعية 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 18.3% للواردات السلعية؛ ما يعني أن نسبة تغطية الصادرات للورادات بالكاد تجاوزت الثلث، ما يعني كمياً أنه مقابل كل دولار صادرات سلعية يدخل البلد تخرج تقريباً ثلاثة دولارات واردات سلعية.

أما عن اتجاهات الصادرات والواردات جغرافياً في نفس العام، فيأتي الاتحاد الأوروبي في الصدارة بنسبة 33.7% من الصادرات و29.2% من الواردات، ثم الدول العربية بنسبة 25.2% من الصادرات و22.5% من الواردات، ثم الدول الآسيوية غير العربية بنسبة 14% من الصادرات و21.8% من الواردات، ثم الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وروسيا بنسب متواضعة، ويُلاحظ وجود قدر لا بأس به من التوازن النسبي في المعاملات.

حتمية إعادة تنظيم التجارة الخارجية:

وبالنظر لاتجاهات التجارة الخارجية نجد أن أغلب تجارة مصر الخارجية ليست مع الولايات المتحدة الأميركية؛ ما يعني مبدئياًَ "إمكانية" إبرام بعض الاتفاقات الثنائية التفضيلية مع البلدان والمناطق الأخرى للتجارة معها بعملاتها، وهو ما سيكون له أثر إيجابي آخر هو إجبار مصر على العمل بشكل أكثر جدية على ضبط العلاقة بين وارداتها وصادراتها في تعاملاتها مع تلك البلدان والمناطق، بما يمكّنها من ضمان تغطية المعاملات (الصادرات مقابل الواردات) لبعضها بعضاً نقدياً.

وتحظى بأهمية خاصة في هذا السياق الصين أكبر شريك تجاري لمصر في آسيا، ذلك العملاق الاقتصادي الذي يطمح حالياً لدور أكبر لعملته دولياً؛ حيث يمكن التعامل معه بعملته بما يمكّن مصر من توفير الدولار النادر، فليست الصين صاحبة أكبر احتياطي دولاري في العالم بحاجة لدعم مصر لاحتياطياتها الدولارية، بل هي بالأحرى ترغب في دعم الوضع الدولي لعملتها بزيادة نسبتها في مبادلاتها الدولية، كما تؤكد دعوات قياداتها في المؤتمرات الأخيرة للحزب الشيوعي الصيني.

ويرتبط بهذا التوجّه المزدوج من اتفاقات ثنائية تفضيلية وخفض للتعامل بالدولار من جهة ومن موازنة للصادرات مع الواردات جغرافياً من جهة أخرى، توجّه آخر يعمقهما هو إعادة هيكلة التجارة الخارجية المصرية بمُجملها جغرافياً؛ بحيث تزيد فيها نسبة التعامل التجاري مع الدول الأقرب لمصر في مستواها التنموي وفي مستويات الأسعار، أي الدول العربية والإفريقية والآسيوية على حساب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية؛ بما يسهّل مهمة التعديل الإيجابي للعلاقة بين الصادرات والواردات ويوفّر نسبةً لا بأس بها من الهدر في العملة الصعبة، نتيجة لانخفاض أسعار الواردات من تلك الدول ذات الأسعار الأقل نسبياً، ولاحتمالية زيادة الصادرات لتلك الدول بحكم انخفاض مستوى المنافسة والاشتراطات الإدارية (صحية وبيئية وغيرها) بها بالقياس لمثيلتها في الدول المتقدمة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

ويعني كل ما سبق أنه لا حل إلا بإعادة هيكلة التجارة الخارجية المصرية بكافة أبعادها، وبوجهيها الكمي والكيفي، أي التدخل الحكومي في إدارتها وتنظيمها بصورة ما وبنسبة ما، فضلاً عن تغييرات وتضحيات في نطاقات اقتصادية واجتماعية أخرى مرتبطة بها لسنا في معرض تناولها هنا، وهو ما يتناقض مع اتفاقات دولية خضعنا لها وانجررنا إليها لحساب مصالح رأسمالية تابعة لا تعنيها سوى مكاسب الوكالة والسمسرة مع الخارج على حساب الوطن وفقرائه، وهي مصالح لا تزال مُسيطرة وتعزّز مواقعها بمزيد من الارتباط بالخارج، بما يجعلنا بدعوتنا هذه في وادٍ ونظامنا الرشيد الذي استمرأ تسول رضا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وكلاء هذا الخارج الرسميين في وادٍ آخر!

وهكذا فحتى الحلول التجارية الجزئية تشترط أفقاً زمنياً وسياسات وتنظيمات ومواجهات غير مطروحة على أجندة النظام المصري.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.