المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مجدي عبد الهادي Headshot

ذُل الجنيه من ذُل اقتصاده!

تم النشر: تم التحديث:

اعتادت الحكومات المصرية المتتابعة التنصل مما تصنعه من أزمات، سواء بالتواطؤ أو بالفشل، مُلقيةً بالاتهامات يميناً ويساراً على جهات وفاعلين آخرين، فمرة الخارج المتآمر، ومرة المعارضة العميلة الهدامة، وتارة الشعب وثقافته المتخلفة، وتارةً أخرى جشع التجار أو فساد رجال الأعمال، حتى وصلنا لمنتهى العبث مع وزيرة، مفترض أنها متعلمة، ترى المشكلة أن مصر محسودة و"عليها عين"!

وبغض النظر عن مفارقة كون كثير من حجج الحكومات المصرية هي نتاج آخر لفشلها وعجزها عن أداء كثير من المهام التي هي من صميم عملها، فإن خطورة هذا المنهج في التعاطي مع الأزمات التي تعيشها مصر هي استحالة حلها، فغياب التشخيص السليم، الذي سيتحدد على أساسه العلاج المطروح أو عدم العلاج أصلاً كما هو الحال أغلب الوقت، يؤدي أوتوماتيكياً لترك الأزمات على حالها لتتفاقم بقوى القصور الذاتي.

وهذا هو الحال فيما يتعلق بالأزمنة المُزمنة التي يعيشها الاقتصاد المصري منذ أكثر من أربعة عقود تقريباً، فقد اعتادت الحكومات المصرية المتتابعة معالجة العرض لا المرض، ولا تزال هذه هي السياسة المُتبعة في التعامل مع كل المشكلات النوعية التي يعانيها ذلك الاقتصاد.

ولا شك أن سعر صرف الجنيه إحدى تلك المشكلات النوعية الخطرة التي تهدد بانفجار خطير هذه الأيام، فهى لها آثارها الواسعة المُتشعبة على كافة جوانب الاقتصاد، ورغم الطبيعة النقدية لتلك المشكلة، فإن هذا لا يعني مُطلقاً كونها مجرد مشكلة نقدية، فمشكلة الجنيه المصري هي عَرَض اقتصادي لا مرض نقدي، فليست المشكلة في سياسات نقدية خاطئة اتبعها البنك المركزي في مرحلة ما، حتى لو كانت هذه السياسات جزءاً من المشكلة، كما أنها لا يمكن اختزالها في سياسة التمويل التضخمي التي اعتادتها الحكومات المصرية المتتابعة لسد العجز المُزمن في موازنتها العامة، فمهما كانت سياسة التمويل التضخمي سياسة خاطئة، فإن السياق الذي أنتجها، والطريقة التي مارستها وتمارسها الحكومات المصرية المتتابعة ليست من قبيل الصدف أو الأخطاء الإدارية العارضة، بل هي نتاج تكوين اقتصادي مأزوم بطبيعته، وهذا هو ما تجب مساءلته إذا أردنا علاجاً جدياً طويل الأجل، لا مسكنات تؤجل الأزمات وترحّلها، لتتفاقم وتتضخم لاحقاً ككرة ثلج!

فمسيرة المذلة التي عاشها الجنيه المصري أمام الدولار؛ ليتقلص من جنيه محترم يعادل دولارين ونصف الدولار عام 1978م إلى جنيه مسكين يعادل ستة سنتات تقريباً عام 2017م، لم تكن من الظواهر الطبيعية الخارجة عن إرادة الإنسان، بل هو نتاج طبيعي مُتوقع تماماً في ضوء الهيكل الاقتصادي المصري السائد منذ بدأت سياسات الانفتاح الاقتصادي تمارس آثارها بعيدة المدى في أرجائه.

ذلك الهيكل الاقتصادي الذي تحوّل من هيكل يعمّق التصنيع والإنتاج السلعي شيئاً فشيئاً إلى هيكل تغلب عليه الخدمات، فأصبح عاجزاً عن إشباع حاجاته الداخلية، وهكذا نجد أن الزراعة، وفقاً لبيانات البنك الدولي، قد انخفض نصيبها من الناتج المحلي الإجمالي من 30.5 % عام 1974م إلى 14.5 % منه عام 2013م، وهو انخفاض كان يمكن أن يكون طبيعياً، لولا أنه ارتبط في السياق المصري بانخفاض الإنتاجية وتضخم الفجوة الغذائية، كما انخفض نصيب الصناعة من الناتج المحلي الإجمالي من 17.8% إلى 15.6% منه خلال نفس الفترة، فيما كان يجب أن يزيد كما هو الحال في أي اقتصاد متخلف يطمح للتصنيع.

نتج عن هذا الهيكل الذي تقلّصت قطاعاته السلعية قبل الأوان ضعف هيكلي في قدرته على إشباع احتياجاته الداخلية، أي مواجهة الطلب الداخلي على السلع والخدمات، ما أدى لعجز مُزمن في الميزان التجاري؛ حيث تزيد الواردات على الصادرات دائماً، حتى وصلت لدرجة أن لا تغطي الأخيرة سوى حوالي ثلث الأولى أواسط عام 2015م.

كما نتج عن هذا الهيكل الاقتصادي بما له من طبيعة خدمية وريعية سوء في توزيع الدخل القومي، بما أدى ليس فقط لسوء أحوال المعيشة للقطاع الغالب من المصريين، بل أدى أيضاً لضعف الحصيلة الضريبية، وهو الضعف الذي تعزز بضعف كفاءة الجهاز الضريبي خصوصاً والحكومي عموماً، وبانحياز القوانين الضريبية للأغنياء، وكثرة الثغرات والتلاعبات بها، وبحيث نتج عن هذا كله ضعف وعجز في الإيرادات العامة المتوافرة عن النفقات العامة الضرورية، بما دفع الحكومات المتعاقبة لسياسة التمويل التضخمي سالفة الذكر لتغطية ذلك العجز المُزمن بالموازنة العامة.

وهكذا فالرافدان الأساسيان لحالة التدهور المزمنة للجنيه المصري، من عجز ميزان تجاري وعجز موازنة عامة، ليسا في الواقع سوى نتاج لاختلال هيكلي في الاقتصاد المصري نفسه، وبحيث يصح القول بأن ذُل الجنيه المصري ليس سوى عرض لُذل اقتصاده!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.