المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مادلين أحمد دسه  Headshot

علي منصور الكيالي و"سبونج بوب"!

تم النشر: تم التحديث:

أنا من جملة الأشخاص الذين سئموا سماع الإجابة نفسها مراراً وتكراراً حول موضوع إعجاز القرآن؛ البعض يرى كفراً في الاستفسار والبعض يراه جهلاً أو قلة إيمان. ولكني -ومع كل ذلك- كنت أرى نفسي دوماً أعود لأعيش في عقلي الباطني أحلل إجابات تناسب تساؤلاتي!

هل الله وهبني العقل لعدم التفكير؟ وزرع في أعماقي الفضول لأجهل الحقيقة؟ وهل أنا حقاً من الكفرة؟

كنت في سنوات دراستي الأولى حين بدأت حصة (الشرعية) بنقاش محور الخمسة والأربعين دقيقة الذي كان يصب في (المعجزات) التي رافقت رسلاً وأقواماً سبقونا. كانت تلك المعلومات بالنسبة لي كأني أقرأ قصصاً من ألف ليلة وليلة وأتخيل صوراً وعصيّاً تتحول إلى أفاعٍ، وجبالاً تتحرك ونملاً يتكلم.. كنت منبهرة جداً بأن هذه المعلومات مؤكَّدة وحقيقية وحصلت فعلاً لكائنات عاشت على كوكبنا وتنفست هواءنا نفسه في مجرتنا نفسها.

حين وصلتْ حصة النقاش لنبينا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- ومعجزته الخالدة (القرآن الكريم)، أصابتني خيبة؛ معلمتي لم تشرح عنه أكثر من أنه "كتاب يحميه الله من التحريف، يناسب كل زمان ومكان". لم أصدق، ورفضت أن تكون هذه معجزة خاتم النبيين، كتاب! أنا لست نبياً وأملك الكتاب نفسه!

كيف لهذا الشيء الذي يشبه كتابي المدرسي، بغلاف وصفحات مرقّمة ومفردات صعبة، أن يكون معجزة أفضل البشرية؟ وكيف لمعجزة رسول كريم أن تكون بين يدي الجميع؛ العامل والمدير والفقير والغني والأسود والأبيض يحتضنون معجزة في بيوتهم؟ كيف يمكن حدوث هذا؟

شغلني التفكير كثيراً في هذا الموضوع وخفت أن أسأل والدي عن السر وراء كتاب جعلوه معجزة، ِلمَ هذا الكتاب دون كل ما سبقه من كتب صُنف كمعجزة؟!

تجرّأت وذهبت إليه وسألته، وكانت إجابته مليئة بالثقة والفخر بأنه كتاب الله، يحفظه من التحريف والتخريب.. خيّب أملي، وكان كلامه وشرحه يشبهان ما قالته معلمتي، كنت أتوقع منه إنكاراً لمعلوماتها أو اتهامات تصفها بالجهل، توقعت أن يقول لي: "إذا قرأتِ هذه الآية، ستتمكنين من شق البحر إلى نصفين، مثلاً".

رافقتني تلك المشاعر مع كل مرة كنت في الحصة ذاتها أستمع لآيات قرآنية يتلوها شريط في مسجلة الصف نتتبع قراءته بنصوص كُتبت على كتبنا لنفرق بين الادغامين! ما زالت الشكوك تسكنني، والقناعة والرضا يخذلانني في كل مرة تبدأ حصتي الدينية.

تجاهلت الموضوع بكل ما للجهل من معنى، وتصنّعت رضاي بالإجابات التي أتيحت لي، وحاولت ألف مرة أن أُبعد هذا الشبح عن طريقي في حال مصادفتي أو مصادقتي لأشخاص كانوا أكثر تديناً والتزاماً مني؛ خوفاً من اتهامي بالجهل أو قلة الإيمان أو التكفير أحياناً.. تعدينا كل تلك المراحل وتغيرت كل المواضيع الدينية التي علينا دراستها وفهمها. وكبرنا ..

في مرة من المرات القليلة التي كنت أفتح رابطاً لتفسير آية ما، شدني عنوان الرابط الذي كان في الصفحة نفسها "نهاية العالم وما بعدها"، بدأت بمتابعة هذا الرجل الذي يدعى (علي منصور الكيالي)، وكل ما تمنيته حقاً أن يرجع بي الزمن 10 سنوات لأسأله السؤال نفسه ويجيبني بطريقته الذكية العلمية التي يشرح بها لغة ويحولها إلى أرقام أو حقائق مثبتة علمياً أبهرَت الكثير والكثير. وفوجئت بأنه شبه مجهول ولا يحظى بالكثير من البرامج أو المقاطع المصورة والمقابلات!

هو اجتهاد شخصي ولن أشكك في الأمر، وطالته الكثير من الاتهامات أيضاً حين اقترحتُ اسمه لبعض الأصدقاء والأقرباء. لا يعنيني حقاً إن كان اجتهاداً أو أي شيء غير ذلك، ولكني مؤمنة حقاً بأن هذه الأساليب في التعليم وإيصال المعلومة من شأنها تغيير الكثير من المعتقدات التي تبقى راسخة في عقول الصغار! أو ربما تحمل في شرحها إثباتاً قوياً بأن قرآننا الكريم يحتاج شرحاً لكونه معجزة تطول أكثر من كونه مناسباً لكل زمان ومكان وبأن الله خير حافظ له..

كبلاد مسلمة، الصغار يتعلمون دينهم من خلال أقل من ساعة في حصة التربية الإسلامية، رغم أن ديننا يتخلل في جميع الحصص، فمثلاً لو أن حصة الكيمياء تشير إلى العناصر كافة وتخص الحديد بأنه أثبت حقاً بقرآننا أنه لا يتكون على سطح الأرض، وحصة اللغة العربية التي بإمكانها أن تستعين بكمّ لا بأس به من الإعجازات اللغوية واللفظية، وحصة الأحياء ستجد ألف دليل ودليل على كيفية خلق الإنسان بشكل وثيق..

هل يُعقل أن أمتلك معجزة في بيتي وتمتلك المعجزة نفسها في بيتك ولا نعلم سبب إعجازها إلا في نقطتين؟ وإن كنا جميعاً نمتلك معجزة ونجهلها، فلا عجب من أحوالنا التي وصلنا لها أو جهلنا العلني، فجرّب أن تبحث عن أكثر الكلمات التي يبحث عنها العرب في محركات البحث. ستشعر بالعار والخزي وستضحك قليلاً حين تعلم بأن هناك بلداناً كان أكثر ما بحث شعوبها عنه هو كلمة (سبونج بوب)! والحقيقي جداً، أن التعليم -أو التلقين- في أيدٍ غير أمينة بالمرة!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.