المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ماجيد صراح Headshot

الصحافة وحرية الصحافة بالجزائر 2016

تم النشر: تم التحديث:

2016-11-01-1478027730-751143-13152714_1382221118461109_1992351755_n.jpg

استمعت مؤخراً لمحاضرة حول حرية الصحافة، أثار فيها الأستاذ المحاضر انتباهي أكثر حينما تطرق إلى مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة.

الأستاذ، وفي كلامه الموجه لطلبة الصحافة، ركز على أن "العنصري روبرت مينار" هو مؤسس المنظمة التي صنّفت الجزائر في ترتيب حرية الصحافة لعام 2016 في الترتيب الـ129 بينما دولة قطر تقدمت الجزائر محتلة المرتبة الـ117.
هذا كان كافياً، حسب الأستاذ، لاستنتاج أن قطر هي من تمول هذه المنظمة التي تدافع عن حرية الصحافة.

الأستاذ الذي أغفل التذكير، عمداً أو جهلاً، أن روبرت مينار استقال من "مراسلون بلا حدود" في 2008 ولم يعد له دور في المنظمة التي تبرأت منه في بيان صحفي وقّعه مسؤولوها بتاريخ 6 يونيو/ حزيران 2013، وفي استنتاجه لم يقدم للطلبة ما اعتمد عليه من معلومات أو تقارير تفند صحة تصنيف "مراسلون بلا حدود" وتؤكد ادعاءاته؛ بل اكتفى بالقول: "أنا لا أقبل أن تتقدم دولة مثل قطر، الجزائر في حرية الصحافة".

الحادثة تعكس وضع الصحافة وحرية الصحافة بالجزائر. فمن تذيل الجزائر ترتيب البلدان في حرية الصحافة إلى نوعية التكوين الذي يتلقاه طلبة الصحافة في جامعاتنا والذي يتسبب في إنتاج "صحافة رأي" بدلاً من صحافة موضوعية تبحث عن المعلومة وتتحرى صدقها واضعة آراءها الشخصية جانباً.

صحيح أن الجزائر تعيش حالياً مرحلة فراغ رهيب في مختلف المجالات، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية، والصحافة لا يمكن لها أن تكون بمعزل عن كل هذا، ونوعية التكوين الذي يتلقاه طلبة الصحافة بالجامعات ليست سوى عامل من بين عوامل أخرى تؤثر على الإعلام، الذي يذهب الجميع للقول إنه غابت عنه المهنية.

ممكن أن من أهم ما يعيق تطور الصحافة الجزائرية اليوم، هو غياب الجرأة عند الصحفي. فهذه الجرأة كانت لتدفعه - ومهما كانت الظروف- للمبادرة والبحث والتحري في كثير من القضايا وفتح ملفات الفساد السياسي والاقتصادي والسعي لكشف الحقيقة في كل ما يهم المصلحة العامة لضمان الشفافية وتنوير الرأي العام.

ففي كل من ملفات الخليفة، سونطراك، إس إن سي لافالان وغيرها، وحتى في "وثائق بنما" الأخيرة، الصحافة الجزائرية كانت غائبة واكتفت فقط بإعادة نشر ما كتبته الصحافة الأجنبية أو ما يصلها من "تسريبات"، لا ما توصلت هي إليه بالتحريات.

كيف كان سيكون وضع الإعلام ووضع حرية الصحافة لو كانت الصحافة أكثر استقلالية والصحافة الاستقصائية متطورة والصحفيون أكثر جرأة؟ طبعاً، حرية الصحافة التي نتحدث عنها هنا ليست ما نراه اليوم وما يُقدّم لنا على أنه كذلك؛ من بحث عن الإثارة في الشتم والقذف دون أية ضوابط.

حتى و لو تضمن دستور 2016 أن لا سجن في جنح الصحافة، لكن يبقى من بين أسباب تحول الصحفي إلى "حشيشة طالبة معيشة"، القوانين التي ترسم خطوطاً حمراء تقيد حرية الصحافة وتدفع الصحفي وصاحب الوسيلة الإعلامية لممارسة الرقابة الذاتية، فلا الصحفي يريد أن يُجرجَر للمحاكم بسبب ما كتب ولا صاحب الوسيلة الإعلامية يريد أن تُغلق مؤسسته أو حتى من أن يحرم من أموال الإشهار العمومي، الذي يشكل للأغلبية مصدر التمويل الوحيد. تمويل لا تزال الشفافية غائبة في توزيعه. زيادة على هذا، ضعف صوت الصحفي بسبب ضعف النقابات والجمعيات التي تدافع عن حرية الصحافة ومن ثم ضعف الدعم والتضامن الذي يتلقاه الصحفيون ووسائل الإعلام حين التعرض للمضايقات. وحتى المواطن، يبدو أنه نسي أن حرية الصحافة والإعلام ليست امتيازاً يحظى به الصحفي؛ بل هي حق للمواطن ومن ثم وجب حماية هذا الحق والدفاع عنه.

الحديث عن المال وعن الصحافة الخاصة يطرح التساؤل: هل كان لمال رجال الأعمال إضافة للصحافة بالجزائر أم أن الصحافة الخاصة ليست سوى مجرد "دكاكين" أو "مصلحة إعلام واتصال" للترويج عن مصالح مالكيها الاقتصادية والسياسية، الصحفي فيها ليس سوى مجرد موظف بسيط ينفّذ ما يطلب منه مثله مثل أي عامل بمصنع؟ أيضاً، من هو الأخطر على الصحافة وحرية الصحافة: هل هو رجل الأعمال الذي يستثمر في مجال الإعلام ويوفر الإمكانات لذلك، أم ذلك "البقار" -مع كل الاحترام لتجار الماشية- الذي يفتح جريدة ينهب بها الإشهار العمومي دون أن يوفر لا الإمكانات ولا التكوين للصحفيين ولا يطور محتوى جريدته التي ممكن أنه لا يسحبها أصلاً من المطبعة بعد الطبع لتوزيعها؟

لو عدنا 20 سنة إلى الوراء لوجدنا أن الصحافة الجزائرية كانت آنذاك بوجه مختلف عن الوجه الذي نعرفها به اليوم. ففي أثناء العشرية السوداء، وحتى مع قلة الإمكانات والتهديد الذي كان يطاله، فإن الصحفيين كانوا في الخطوط الأمامية للدفاع عن الحقيقة والديمقراطية على الرغم من تعرضهم للمضايقات والقمع من طرف السلطات إلى التصفية الجسدية من طرف الإرهاب. فالصحفيون من أمثال طاهر جاعوت، سعيد مقبل، عاشور بلغزلي وغيرهم كثيرون تجاوزوا المائة، لو لم تطلهم أيدي الغدر لكانوا اليوم مدارس تؤطّر وتدفع بالصحفيين الشباب نحو الأمام، أليس الصحفي والكاتب طاهر جاعوط هو القائل: "إذا تكلمتَ تموتُ، وإذا سكتَّ تموتُ، إذاً تكلّم ومُتْ".

وفي الأخير، وجب التذكير بأن المقال ليس سوى رأي لمتتبع للصحافة وحرية الصحافة بالجزائر.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.