المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

معاذ محمد عبدالحميد Headshot

لا يوجد مخرج بالضرورة

تم النشر: تم التحديث:

فى الأزمات الكبيرة التي واجهتها البشرية، سواء كانت حروباً زم مجاعات أم كساداً اقتصادياً كبيراً أو ديكتاتوريات غاشمة كان هنالك أحياناً ضوء في آخر النفق، كما يقال، ومن هذا الضوء الخافت يتطور إلى شعاع اقتصادي وثقافي يقود الأمة إلى مسار آخر، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية كمثال، والنمو الكبير الذي حدث في اقتصادات دول غادرت حرباً ضخمة للتو تغذَّت ليس على الاقتصاد فقط، بل على الموارد البشرية أيضاً وخرج الجميع خاسراً.

ولكن ليس بالضرورة ما يملأ خواء الخزائن يملأ خواء الأنفس، تعاني الشعوب دوماً من التبعات النفسية ما بعد الحروب، الجميع لديه مآسٍ شخصية وقصص لن نعلمها جميعاً، وجميعها مروعة، وبما أننا ذكرنا الحرب العالمية الثانية كمثال فلنكمله، خرجت شعوب الدول التي خاضت الحرب ولديها أسئلة تتعلق بوجودها الشخصي على الأرض، وجدوى ذلك، ووجدت العدمية رواجاً بالغاً في هذه الفترة، لو لم توجد العدمية كمذهب فلسفي لكانت ولدت في هذه الحقبة تحديداً، كانوا كقارب نجاة يسير في البحر عبثاً دون اتجاهات بحثاً عن النجاة فقط، ينتظرون ما ينتشلهم من هذه الحالة، وكان هذا طبق الفضة بالنسبة للمذهب الوجودي ومنظّريه الشهيرين.

الوجودية التي قدمت نفسها إلى العالم في الثلاثينات لم تجد الرواج والانتشار الكبير سوى في الأربعينات، بعد انتهاء الحرب، وهذا منطقي جداً؛ نظراً لطبيعة حياة الشعوب وحجم الإحباطات التي لا تقارن بمرحلة ما بعد الحرب، وعندها كانت مرحلة انتظار الشعوب لطوق النجاة، فقد كانت متصالحة مع الجميع حتى من العدميين منهم، فهي تفسر الأمور كمجرى مكمل لبعضه، فهي لا تقدم نفسها إلى الشعوب بصفتها مذهباً تبشيرياً يعد بالحياة الوردية، ولكنه كان يمس نفوسهم المنهكة، فكان يقدم نفسه كمحاولة لفهم التجربة الفردية للإنسان ومقراً بعبثية الوجود الجماعي، وهذا ما تتفق به مع تفسير العدمية للأمور، ولكنها إكمالاً للمسار فهي تؤمن إيماناً جماً بالوجود البشري ويعتبر منطلقاً لكل الأفكار وتقدس الإنسان بكل جوانبه ومشاعره وغرائزه دون الرجوع لقيم ثابتة، ولم يكن الإنسان الأوروبي في الأربعينات يحتاج لأكثر من هذا، فتماشى التعافي الاقتصادي في خط موازٍ للتعافي النفسي وترميم آثار الحطام الشخصي.

عندما أقارن الأمر مع ما يحدث في سوريا على سبيل المثال والتهجير القسرى لشعب كامل هارب من مجازر مرعبة، والمشاهد التي فاقت أفلام الرعب دموية، بالطبع كل ذلك ترك خلفه جعبة من الأمراض النفسية التي يحملها اللاجئ السوري في نفسه وهو يعبر الحدود ركضاً محاولاً الوصول إلى مكان آدمي فقط للحياة، من الذي سوف يرمم هذه الشقوق في جدار النفس؟

الوضع يشبه قليلاً أوضاع المعتقلين والمختفين قسرياً في مصر، ولكن النظام في مصر كان أكثر احترافية فأغلق مركز النديم على سبيل المثال المعني بتقديم الدعم النفسي لمن قضوا أيامهم معلقين في الأسقف ويمارس عليهم عذاب لم يخطر في بال الماركيز دو ساد شخصياً، هذه التراكمات لن ندرك حجمها في الوقت الحالي، أخشى بعد فترة من الزمن أن يتحول المظلومون إلى زومبيز فاقدين للإحساس والوعي والشعور، يعيشون لأجل الحياة فقط ولا يستطيعون إخراج حرف واحد كتعبير عن النفس "إن لم نكن وصلنا لهذه المحطة"، أخشى أن يقذف بنا في حالة من الهستيريا الجماعية التي لن نخرج منها أبداً، ونشهد انتحارات جماعية ومحاولات للخلاص من أجل الخلاص، بعد أن حولت الحكومات الأرض إلى جحيم يشوي من يمشي عليها ويعاقبه على وجود لم يختَره.

لا يقدم المقال حلاً لمشاكل البشرية المعقدة التي لم تستطِع التفاهم مع وجودها حتى الآن، ولكنه مجرد حالة من الصراخ الفردي التي تتمنى خروج أي صيغة أدبية كانت أم فلسفية؛ لنتماشى فقط مع الفترة التي سوف نقضيها على الأرض ونرحل بسلام.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.