المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مأمون المليحي Headshot

تمرَّدوا على قياداتكم..!

تم النشر: تم التحديث:

كان هذا هو النداء الذي صدح به الصحفي السوري الشجاع هادي العبد الله، الحاصل على جائزة "مراسلون بلا حدود" لعام 2016، من بين الأهوال التي كان يصبّها على حلب الجريحة النظامُ السوري وأعوانه مساء يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2016. حينما قرروا وسط صمت عالمي مريب حصد الأرواح المتبقية داخل المدينة التاريخية العريقة.

النداء لم يكن موجهاً للحكام العرب أو للشعوب الرازحة تحت سلطانهم، ولم يكن بالطبع موجهاً لما يسمى "الضمير العالمي" أو "مجلس الأمن"، وإنما كان موجهاً للمجاهدين أو كما سماهم هادي "ولاد البلد السوريين" الذين اختاروا طريق المقاومة والشهادة، ولكن عطّلتهم قياداتهم عن تلك المهمة أحياناً وحرفت مسارهم عن الغاية النبيلة أحياناً أخرى.

كان النداء لهؤلاء أن يتمرّدوا على صفقات قياداتهم المشبوهة وعلى خلافاتهم ومشاحناتهم السخيفة، التي كانت كثيراً ما تصل إلى سفك دماء بعضهم البعض بمباركة شرعيِّيهم وشيوخهم، وينفْرون لنصرة المستضعفين المحاصرين في العراء بين قذائف بوتين ورصاص ميليشيات بشار.

ولم يكن هذا هو النداء الأول لهادي، وإنما سبقه بأقل من أسبوعين خطاب آخر مقتضب يوبخ فيه الصحفي الشاب قيادات الفصائل لعدم توحّدهم، واستخدام الدين من قِبل شرعيِّيهم لتغذية هذا التفرق والشقاق الذي سيودي بهم قريباً ويودي بالثورة السورية كذلك ويكون سبباً في هلاك الحرث والنسل.

حينما سيطر كل قائد فصيل "إسلامي" على مساحة معينة من الأرض، وقرر تطبيق "شرع الله" من وجهة نظر شرعيِّيه على مواطني تلك الرقعة الصغيرة التي مكنه الله منها ليرفع عليها راية إسلامه، متناسياً أنه لا يستطيع حماية سماء تلك القرية الصغيرة ولا تأمين حياة ساكنيها من المدنيين البائسين، وأن جيرانه من قادة الفصائل الأخرى يرونه غالباً إما "خارجياً" أو "صحوات" أو "موالياً لأعداء الله"، ويجب عليهم ضم أرضه وسلب سلاحه وعتاده، وربما قتل رجاله تطبيقاً لـ"شرع الله" أيضاً!

ولست أدري إن كان هؤلاء القادة "الإسلاميون" قد قرأوا في كتاب الله الآيات التي تحذر من التنازع والشقاق الذي يؤدي إلى الفشل والهلاك، أو الآيات التي تحض على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، ربما لم يعلم هؤلاء أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن عنده مانع في الاتفاق مع قبيلة غطفان -الكفار حينذاك- كي ينسحبوا من جيش الأحزاب المهاجِم للمدينة المنورة فيخذلوهم عنها، ربما لم يدرس هؤلاء إلا كتباً معينة تربوا عليها في سجن صيدنايا الرهيب تحت سمع وبصر المخابرات العسكرية السورية حتى إذا جاء دورهم في تفجير الثورة السورية التي كانت تتقدم بثبات نحو دمشق تم إطلاق سراحهم فوراً ليبدأوا العمل ثم يعودوا مرة أخرى إلى السجون كما بشّرهم هادي بعد النجاح في مهمتهم.

تماماً كما حدث لإخوانهم في مصر الذين سبقوهم إلى السجون، فصاروا جميعاً كفئران تجارب في مصيدة ضخمةـ رسَمت لهم فيها أجهزة المخابرات العالمية مسارات محددة بـ"قطع الجبن" التي تناسب كلاً منهم، بعدما درسوا عقولهم وثقافتهم وأدبياتهم وطريقة تفكيرهم جيداً، وباتت خطواتهم المستقبلية شبه واضحة لديهم.

فكما اعتقد إسلاميو (سوريا) من الجهاديين أنهم بأسلحة بسيطة مع عزيمة أتباعهم القوية بإمكانهم السيطرة على البلاد وتطبيق "شرع الله" فيها في الحال، اعتقد إخوانهم في مصر أنهم ببعض مقاعد في البرلمان ووعود من منظمات دولية وقيادات عسكرية يستطيعون حكم البلاد والرقي بها حضارياً واجتماعياً، ولكن للأسف خاب ظن الجميع!

"تمردوا على قياداتكم".. لا لأنهم خونة أو عملاء، فالله أعلم بما في الصدور، ولكن لأنهم عاجزون سطحيو الفكر لا يستطيعون قراءة التاريخ واستشراف المستقبل، تنبع قراراتهم من داخل جلساتهم المغلقة التي يتظاهرون فيها بتطبيق الشورى، لا يستمعون إلى نصيحة ناصح ولا حتى تهديد عدو واضح طالما كانوا منتصرين ظاهرين على عدوهم، أما إذا انقلبت الطاولة وأتت الرياح عاتية على سفنهم فلا ملجأ لهم إلا الحديث عن الابتلاء والتمحيص والثبات على المبدأ!

"تمردوا على قياداتكم".. لأنه لا أمل إلا فيكم، فيمن خلصت نيته وصفا عقله وروحه وبات منفتحاً على الجميع، يستمع أكثر مما يتكلم، ويدرس خطواته جيداً قبل أن يتقدم، يقرأ التاريخ والأدب والسياسة، يتعلم خصائص مجتمعه جيداً ليدرك نفسياتهم ومدى احتمالهم لقراراته ومغامراته، مساره غير محدد سلفاً من قِبل أعدائه وهجومه عليهم غير متوقع، لم يتم تدجينه تنظيمياً، وقد تخفف من عبء صفقات القيادة حين لم يحمل معه إلا المبادئ الصافية التي تعلمها من القرآن والسنة.

"تمردوا على قياداتكم".. فلم يعد المجال متاحاً لصنع مزيد من الأصنام، وإن سقطت حلب أو فُضّت "رابعة" أو احتُلت الموصل، فهذا ليس نهاية المطاف، وكم من عواصم إسلامية قد سقطت من قبل فظن المؤرخون حينها أن هذا نهاية الإسلام وأهله -كما علق ابن الأثير على كراهيته لتأريخ فترة سقوط بغداد بين أيدي التتار- فإذا بها بداية انطلاقة جديدة وفتح مبين، فكما أن الحرية ثمنها غالٍ فالوعي ثمنه أغلى.
"لن تثوروا حتى تعوا، ولن تعوا إلا بعد أن تثوروا" جورج أوريل.. "1984"

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.