المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مأمون المليحي Headshot

طريق "التحرير" الذي انتهى بنا في "رابعة"

تم النشر: تم التحديث:

قاوم في نفسه شعوراً قوياً بالتردد في النزول ذلك اليوم، ليس بسبب خوف أو جُبن من جانبه، فهو معروف دائماً ببأسه وإقدامه في التصدي لقوات الأمن أثناء مظاهرات الجامعة والجامع الأزهر وغيرها، حين كانت التعليمات تأتي من قيادته بتنظيم فعاليات متعددة لمناصرة قضايا الأمة الإسلامية وتعريف الناس بها.

لكن هذا اليوم مختلف.. إنه لا يعرف نقطة الانطلاق ولا مكان وموعد الختام، لا يعلم مسؤولاً محدداً يقود التظاهرة، وهو يمسك بورقة مكتوب فيها الهتافات المتفق عليها مسبقاً، ثم عندما ينتهي الوقت المتفق عليه سيتلو الرجل دعاء الختام؛ ليردده باقي المتظاهرين في خشوع، ثم ينصرفوا بحذر إلى بيوتهم، وقد أيقنوا أنهم قد أدوا مهمَّتهم بنجاح، سائلين الله -تعالى- القبول والسداد.

في ذلك اليوم لن يكون هناك قيود على الهتافات، ولن يشير أحد المسؤولين إلى جموع الهاتفين بأن كُفّوا عما تقولونه؛ لأن في هذا الكلام إهانة أو تجريحاً للحاكم، وما لهذا قد جئنا!

كان ذلك ظهيرة يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011، عندما سمح قيادات الإخوان لشبابهم بمساحة أوسع من حرية المشاركة في التظاهرات التي دعا لها زملاؤهم من التيارات الأخرى، فما كان من الكثير منهم إلا أن لبَّوا النداء، واندفعوا إلى الشوارع باحثين عن هؤلاء المتظاهرين ضد تجاوزات الشرطة التي فاقت الحدود في يوم عيدهم.

كانت هناك العديد من الوقفات المألوفة أمام بعض النقابات، التي يقودها رموز الحركة الوطنية، ومن ضمنهم رموز الإخوان بزيّهم الرسمي الكامل الذي لا ينقصه حتى ربطة العنق، ويحيط بتلك الجموع جموع أكبر من قوات الأمن للتحكم في الوقفة؛ كي لا تخرج عن المألوف الذي اعتادوا التعامل معه.

وغير بعيد من هؤلاء أمام "ماسبيرو" كانت قوات الأمن تغلق هذا الطريق الحيوي تماماً، وهم في حالة ارتباك شديدة، بسبب مجموعة من الشباب قرروا التحرك خارج إطار المألوف، واقتحموا حياة الناس وأسواقهم الشعبية بمنطقة (بولاق أبو العلا)، وقوات الأمن تلهث وراءهم جرياً على الأقدام؛ حيث إن آلياتهم الضخمة لا تستطيع المرور في تلك الأماكن المزدحمة الضيقة، فلا تستطيع أن تفضَّ مسيرتهم التي التحمت مع الجماهير، ولا تعرف الموعد والمكان اللذين سينهونها فيهما ولا حتى يتوقعوا خطَّ سيرهم.

وحتى عندما استطاعوا فضَّ تلك التظاهرة في ميدان (شبرا)، بعد أن تمكن بعض المتظاهرين من تحرير زملائهم المعتقلين، وسط ترحيب وزغاريد أهالي المنطقة، عاد الشباب مرة أخرى إلى التجمع والاحتشاد في أماكن مختلفة، حتى اكتمل الحشد الكبير مساء بميدان (التحرير)، الذي نجح الأمن في فضّه أيضاً، لكنه فشل في القضاء على الشعور الجمعي الذي نبت في قلوب هؤلاء الشباب كل على حدة، على الرغم من اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم.

هذا الشعور الجمعي بالحرية والرقي الأخلاقي جعل صاحبة الخمار الطويل تضمد جراح شاب لا تعرفه، وصاحب اللحية الكثيفة يتناول قطعة شيكولاتة من يد مطبوع عليها صليب، فكان الشيخ السلفي الذي عصى توجيهات "شيوخه" ونزل إلى (التحرير) لا يجد مكاناً يهرب إليه بالمسيحي الجريح الذي خالف رأي قساوسته أيضا إلى مصلى صغير داخل شوارع (باب اللوق) الضيقة، وكان الإخواني لا يجد غضاضة في إسعاف فتاة "متبرجة" كادت تختنق بالغاز.

تلاشت كل تلك الحواجز الضخمة تحت فيضان "الثورة" الجارف، فأصبحت لا ترى بالعين المجردة، حين أدرك الجميع أن تطبيق الشريعة يبدأ من الحرية، وأن العدالة الاجتماعية تبدأ من الكرامة، وأن مستقبل هذا البلد الذي يتمنونه لأولادهم وأحفادهم لن يقوم إلا على أكتاف هذه الثلة المختارة التي استوطنت (ميدان التحرير) لثمانية عشر يوماً، لم تسمع البشرية بمثل رقيّها وتحضّرها في العصر الحديث.

لكن عندما بدأت مياه الثورة في الانحسار وخُيّل للبعض أن وقت جمع الغنائم قد حان، بانت الحواجز وعاود أصحاب الزي الرسمي -أبيضه وأسوده- وذوو ربطات العنق الظهور من جديد، باحثين عن مقاعد في البرلمان أو مواد معينة في الدستور أو حقائب وزارية ومناصب حكومية رفيعة، وسيق الجميع داخل مسارات متعرجة لاهثين خلف تطلعاتهم وأفقهم الضيق إلى حيث انتهى الحلم الجميل، فأزاحت الكراهية المحبة جانباً، واحتلت الخيانة مكان الإخلاص، فكانت المحطة الأخيرة في "رابعة".

صحيح أن عجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء، وأن الأرض لن تدور في عكس مدارها المعتاد إلا عند ظهور علامات الساعة الكبرى، لكن التاريخ يعيد نفسه، وإذا توفرت نفس المعطيات مع بعض الوعي المتراكم بعد 6 سنوات من بداية الحلم الجميل ربما يؤدي هذا إلى النتائج التي كانت مرجوة في البداية، غير أنه مَن كان رقماً صعباً في المشكلة وسبباً رئيسياً في بروز الخلاف لا يمكن أن يكون هو قائد قافلة العودة، خاصة إن كان رافضاً للتوبة والاعتراف بالخطايا التي اقترفها في حق الثورة وأبنائها.

يقيناً سيعود الناس إلى "التحرير" يوماً ما ثائرين، وحتى حينما تنحسر مياه الثورة التي لا بد لها أن تفعل فلن يظهر من تحتها أصنام جديدة تحرض الناس على التفرق والتشرذم لتجمع الغنائم والقرابين، فلن تقوم ثورة حقيقية إلا بعد تحطيم جميع تلك الأصنام وإزالة كل أثر لها من نفوس الثوار، ساعتها نستطيع أن نحلم بالمدينة الفاضلة التي نبتت بذرتها في 25 يناير 2011، وربما نذهب بعد ذلك إلى "رابعة"؛ لنصلي على ضحاياها ثم نغادر سريعاً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.