المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مأمون المليحي Headshot

"فيكتور هوجو" العرب.. متهم بالخيانة

تم النشر: تم التحديث:

"نهاية فبراير/شباط 1882 تدفقت الجماهير في أحد شوارع باريس عاصمة الثورة الفرنسية وانسابت كخيط طويل لا يرى آخره مهنئين صاحب "البؤساء" و"أحدب نوتردهام" الذي كان أبرز الداعمين للثورة وقضى أعواماً بالمنفى بعيد ميلاده الثمانين مرددين "إلى الشاعر، إلى الفيلسوف، إلى المدافع الكبير عن قضية الشعوب"، الذي كان يرد عليهم من شرفة منزله: "أحيي باريس، أحيي المدينة العظيمة"، لكن هذا لم يكن أبداً حال نظيره في بلاد احتلت المركز قبل الأخير في التصنيف العالمي لجودة التعليم بحسب تقرير "المنتدى الاقتصادي العالمي" لعام 2015.

فعلى الرغم من أنه أتم عامه التسعين في هذا الشهر فإن "القرضاوي" لا يزال يواجه اتهامات بالخيانة العظمى ودعوات أمام القضاء لإسقاط الجنسية المصرية عنه آخرها في 4 سبتمبر/أيلول 2016، وهو الذي وقف مسانداً لجميع ثورات الربيع العربي مطالباً الحكام بالتنحي حقناً للدماء وإفساحاً للمجال أمام الشباب الثائر ليبني مستقبله بحرية.. لكن هيهات.

ويبدو للمتابعين أن "العلامة/يوسف القرضاوي"، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يريد أن ينهي حياته المليئة بالمخاطر والابتلاءات كما بدأها، فما شفع للقرضاوي على الرغم من يتمه المبكر، أنه كان طالباً متفوقاً ترتيبه الثاني على "مملكة مصر" في الثانوية والأول عام 1954 على كليات الأزهر الثلاث، حين تعرض للاعتقال أربع مرات؛ إحداها في عصر الملك "فاروق" والباقي في عهد "جمال عبدالناصر" بسبب انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين واعتناقه أفكارهم.

حفظه المبكر للقرآن والعلم الشرعي الذي تفوق فيه "القرضاوي" أثقل ونمّى نبوغه الأدبي بجانب نبوغه العلمي، فكتب وهو دون الـ16 مسرحية من ثلاثة فصول تحكي قصة المواجهة بين العالم المحدث "سعيد بن المسيب" والطاغية "الحجاج بن يوسف الثقفي"، في زمن الخلافة العباسية سماها "عالم وطاغية".

ولم تكن الاهتمامات والندوات العلمية والدعوية للدكتور يوسف القرضاوي شاغلة له عن نظم الشعر والقصائد فدوّنت له الدواوين وانتشرت أشعاره بين أبناء الحركة الإسلامية كأناشيد ينشدونها، فكان من أشهرها:

أنا عائد.. أنا عائد، أقسمت أني عائد..

والحق يشهد لي ونعم الشاهد

ومعي القذيفة والكتاب الخالد

ويقودني الإيمان نعم القائد

يا ثالث الحرمين يا أرض الفدا..

آليت أجعل منك مقبرة العِدا

ذقت الردى إن لم أعد لك سيداً..

طعم الردى دون الحياة مشرداً

تلك الأناشيد مكانها لم يكن فقط في المؤتمرات والمظاهرات، ولكنها انتقلت إلى الزنازين والمعتقلات التي اعتاد الإسلاميون سكناها منذ نهاية الملكية، وحتى يومنا هذا، فكانت قصائد "القرضاوي" تخفف عنهم أحياناً لوعة الأسر وتقوي عزائمهم وترفع هممهم حين ينشدون:

تالله ما الدعوات يهزمها الردى ** يوماً وفي التاريخ بر يميني

ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي ** بالسوط ضع عنقي على السكين

لن تستطيع حصار فكري ساعة ** أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي وقلبي في يدي ** ربي وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي ** وأموت مبتسماً ليحيا ديني

استطاع القرضاوي أن يوظف الموهبة التي حباه الله بها في خدمة الفقه والعلم والأفكار المعاصرة الداعية لشمولية الإسلام، فيظهر في مؤلفاته التي تربو على الثمانين، الأسلوب الأدبي البديع والمحسنات الجمالية التي تخفف من حدة وجمود المسائل الفقهية المعقدة وعرضها في لغة أدبية بسيطة تمكن القارئ من فهمها بسهولة ويسر، وتمتعه قراءتها في نفس الوقت.

انتهت معاناة "فيكتور هوجو" فرنسا وعاد من المنفى إلى بلاده بعد نجاح الثورة التي فتحت لأوروبا آفاقاً فسيحة من الحضارة والتقدم، واستقبل كأحد أبرز منظريها ومفكريها، لكن "فيكتور هوجو" مصر ابن قرية "صفط تراب"، لا يزال يعاني إلى يومنا هذا، حتى إن فرنسا نفسها التي تقدر العلماء والمثقفين منعته من دخول أراضيها مارس/آذار 2012 مقتدية بجارتها بريطانيا لاعتراضهما على فتواه الشهيرة بمباركة العمليات الاستشهادية في فلسطين ضد المحتل الصهيوني.

أما الهجوم الذي تعود "القرضاوي" على تلقيه بصدر رحب وابتسامة عالم مجتهد لم يكن يؤلمه مثلما آلمه هجوم الكثير من أبناء الأزهر الذي تخرج منه يوماً، بسبب آرائه الفقهية ومؤلفاته تارة، وبسبب مواقفه السياسية تارة أخرى، تعدت مرحلة الاختلاف العلمي المهني إلى السب والقذف، فتمثل فيه قول الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ** على المرء من وقع السهام المهند

فلقد اتهمه مفتي مصر السابق د. علي جمعة، المعروف بعدائه الشديد لجماعة الإخوان المسلمين ودعمه للحكم العسكري، على أحد البرامج المتلفزة فبراير/شباط العام الماضي بتلقي أموال من قطر جزاء على مهاجمته النظام الحاكم بمصر، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي هاجمه فيها فلقد ادعى "جمعة" في مداخلة تليفونية على أحد البرامج، سبتمبر/أيلول 2013، أن "القرضاوي" قد بلغ من الكبر عتياً، وأنه قد أصيب بمرض "ألزهايمر" ولا يجب أخذ العلم أو الفتوى منه.

وعلى الرغم من الهجوم الذي تعرض له "القرضاوي" كثيراً من أتباع المنهج السلفي، فإنه هاجم بشدة مؤتمر "الشيشان" المنعقد نهاية أغسطس/آب 2016 بقيادة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، المعروف بتأييده للنظام الحاكم في مصر، بعدما قرر في بيانه الختامي نفي صفة أهل السنة والجماعة عن السلفيين من "الوهابيين"، مما وضع "القرضاوي" مرة أخرى في مرمى سهام الإعلام ودعوات التخوين، وهو على أعتاب العقد العاشر من عمره.

قد يحكم في النهاية القضاء المصري الذي يواجه انتقادات واسعة بسبب أحكامه المثيرة للجدل بسحب الجنسية من "القرضاوي"، وقد يحكم عليه بأحكام أخرى أشد قسوة في قضايا متهم فيها أيضاً، لكن هل ستنال تلك الأحكام من قدر رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في قلوب تلامذته ومحبيه في مشارق الأرض ومغاربها؟ أم أن تاريخه وجهده الدعوي والعلمي لا يتأثر بتلك الاتهامات، خاصة أن الخصم في تلك الحالي هو الحكم أيضاً؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.