المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مأمون المليحي Headshot

لا تنزعجوا.. فكلنا "عمرو خالد"!

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن مقطع الفيديو الأخير الذي تسبب في الهجوم الشرس والسخرية اللاذعة من (الداعية / عمرو خالد) مجرد حدث عابر لأحد مشاهير الإعلام العربي، وإنما هو تجسيد لحالة مرضية خطيرة أصابت الكثير منا في مقتل مع تفاقم استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية.

فلقد قرأت عام 2012 تقريراً صحفياً عن بحث أُجري في جامعة (إليوني) الأميركية عن تأثير موقع (فيسبوك) تحديداً على ارتفاع نسبة إصابة من يقضون عليه أوقاتاً طويلة بالنرجسية والغرور والشعور الزائف بالتفوق واضطراب الشخصية، وأوصى البحث الذي تم على عينة من البشر تتراوح أعمارهم بين 16 و65 عاماً بأن تتم دراسة هذا الأمر بشكل أعمق؛ لأن المستقبل غير مبشّر تماماً!

ففي عصرنا الحالي، لم يعد المتطفل الذي يسعى لاهثاً خلف أسرار الناس يجد عناءً في تتبع أخبارهم وأحوالهم، فهم من ينشرون أسرارهم بأنفسهم، أين يسافرون، موقعهم الآن في أي مطعم أو نادٍ أو مقهى، صورهم الخاصة - وأحياناً الحميمية - مع ذويهم، حالتهم المزاجية والنفسية، سياراتهم وهواتفهم وربما ملابسهم الجديدة، كل شئ معروض مجاناً ومَن لا يشتري تكفيه المشاهدة المجانية.

لا أجد حرجاً في ذلك طالما أن الشخص هو الذي اختار بكامل إرادته إزاحة الستار عن بعض خباياه، ولكن يجب أن يكون حذراً في هذا الأمر لما له من تبعات خطيرة، سواء أمنية أو اجتماعية قي الكثير من الأحيان، لكن ما لا أفهمه وأجد فيه حرجاً بالغاً هو أن يعلن المرء للعامة أخص خصوصياته وهي علاقته بربه عز وجل.

فبدلاً من أن ينظر أحدهم للكعبة في لحظة خشوع وتبتل وانكسار لله يكون الدعاء فيها مستجاباً تجده يستدبرها كي تظهر في خلفية صورته "السيلفي"، وبدلاً من أن تنهار نفسه وتخور قواه خاشعاً أمام قبر معلم البشرية الخير (صلى الله عليه وسلم) وقبر صاحبيه - رضوان الله عليهما - تجده ممسكاً بهاتفه مبتسماً وهو يصور نفسه "لايف" في تلك البقعة المباركة؛ كي تظهر عند متابعيه فيحصد بها مئات الإعجابات والتعليقات.

ما لا أفهمه أيضاً، لماذا يكتب أحدهم على ورقة "عمرة الشهيد فلان" أو "حج للمتوفى علان" ثم ينشرها على حساباته المختلفة بمواقع التواصل الاجتماعي قبل أن يشرع في شعائره، هل يحتاج من تتوجه إليه بهذا النسك إلى تلك المعلومة القيمة؟ أليس هو مَن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ ومن كان منهم محظوظاً بصداقة أحد فلسطينيي الداخل فبالتأكيد سيطلب منه أن يلتقط صورة عند مسجد (قبة الصخرة) لورقة بيضاء فارغة إلا من عبارة ساذجة فحواها أن "الأقصى يشتاق إليك يا فلان"، هل للأقصى حساب على "تويتر" مثلا فأرسل لصاحبنا هذا رسالة على الخاص يخبره فيها بلوعته واشتياقه!

أما ما فعله (عمرو خالد) فالكثير ممن هاجموه يفعلونه أيضاً دون أن يشعروا، فتجد أحدهم يكتب دعاءً على لافتة صغيرة ليصوره أحدهم في مكان مقدس وكأنه في مظاهرة ثم لا يلبث إلا أن ينشرها، أو يذكر صديقه بدعاء على حسابه بـ"فيسبوك" فيراه القاصي والداني، ولأن سألته عما دفعه لذلك فسيرد عليك متفلسفاً أنه يدعو لأخيه بظهر الغيب كي يجيبه الملك "ولك بمثل"! يبدو أنه لا يدرك معنى كلمة "الغيب" في اللغة العربية.

(عمرو) وأسلوبه المتكلف الذي لا تخطئه عين في الدعاء وافتعال التأثر والتباكي ما هو إلا إفراز مقزز لحالة مرضية أصابت الكثيرين، الأمر ليس فقط اختزال الدين في صناعة غلاف رقيق من الإيمان لا يلبث إلا ويتبخر تحت لهيب أول ابتلاء أو صدمة، لكن المصيبة أن هذا الغلاف نفسه أصبح زائفاً لا حقيقة له سوى بعض الصور ومقاطع الفيديو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

لا ينكر أحد أن هذا الرجل وأمثاله كانوا سبباً في اتجاه الكثيرين إلى الالتزام بالدين، لكنك ستجد أن أغلب من أكملوا الطريق الصحيح قد تمردوا على من كان سبباً في ابتدائه، والكثير ممن كانوا يتبعون هؤلاء "الدعاة" وجدوا نهاية طريقهم سراباً فأفرطوا أو فرطوا؛ لأن الجدير فعلاً بالاتباع هو الذي سأل أعرابياً يوما "كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ "قال أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ" فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ"، حديث صحيح أخرجه أبو داود.

فالعبادة لا تحتاج أبداً إلى كاميرا عالية الجودة والدعاء لا يحتاج إلى سجع وإتقان وتعلم السلم الموسيقي ومقاماته، الدعاء تحديداً أمر في منتهى البساطة والتلقائية قد لا يحتاج حتى أن يتفوه المرء بكلمة، يكفي أن يرفع يديه إلى السماء متبتلاً ليجد أن خالقه يحيط بحاجته علماً، ويعلم ما يعجله له من الخير وما يحبسه عنه، فهو الحكيم الخبير.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.