المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

مأمون المليحي Headshot

"الوغد" الراقص على الدماء

تم النشر: تم التحديث:

عندما يبدأ شهر أغسطس/آب في الاقتراب من منتصفه تبدأ معه اللطميات والبكائيات واجترار الذكريات الأليمة التي تعيد إلى الأذهان مشاهد مذبحة (رابعة) البشعة وضحاياها المساكين، فمنهم مَن قضى نحبَه ومنهم مَن ينتظر وهو يحمل في قلبه جراحاً غائرة عجزت الأيام حتى الآن عن مداواتها، وأسوأ الآلام هي التي تصيب العقل والروح فينحرف السلوك وتضل الغايات.

فتجد كثيراً من أبناء التيار الإسلامي ومن تأثر بهم يصب جامّ غضبه على (الشعب) الذي رقص على الدماء فرحاً بإهراقها - من وجهة نظره - أو على الأقل سكت عن إعلاء كلمة "الحق" ورضي بالخنوع والذل، ومنهم مَن شارك في المذبحة سواء بالوشاية أو التحريض أو غيرها، وعلى الجانب الآخر تجدهم يعلون من شأن الاعتصام وطهارته ونبل غايته بل وتجدهم يذهبون مذهباً أبعد في الثناء على الحكمة منه وما حققه من فضح للعسكر وأعوانهم في الداخل والخارج، بالإضافة إلى أخلاقيات (الشعب) المنحطة!

فالمرء أحياناً لا يجد مفرّاً من الألم المعنوي إلا بإلقاء اللائمة على غيره فيما يسمى في علم النفس بـ(الإسقاط) وهو آلية غير ناضجة - كما يصنفها علماء النفس - للتعامل مع الضغوط النفسية قد تتطور إلى ظاهرة مرضية كـ(الإسقاط المفرط) وهو الإنكار المفرط للعجز الذي بداخله، أو غيره من الأفكار السلبية ونسبتها لشخص آخر، أو (الانفصام) وهو أسلوب بدائي ويسمى أسلوب التفكير أبيض - أسود، أو أسلوب الكل أو اللاشيء، بحيث يصعب جمع صفات حسنة وسيئة في أحد ما في وقت واحد، فهو إما أن يكون بطلاً شهماً أو وغداً حقيراً.

لا شك أن العواقب الوخيمة المترتبة على الانقلاب العسكري في (مصر) والألم الناتج عنه سواء المعنوي أو المادي قد أثرّ بشكل كبير على نفوس وعقول نشطاء ثورة (25 يناير/كانون الثاني) بوجه عام والإسلاميين منهم بوجه خاص، فهم مَن تحمل العبء الأكبر من التنكيل والمعاناة بتصدرهم المشهد بعد الثورة واعتلائهم المناصب العليا بالبلاد، فلم يجد أغلب هؤلاء بُداً من مسح فشلهم بقميص شخص افتراضي يدعونه "الشعب"، ومن ثَم نعته بأقبح الأوصاف كـ(عبد - ديوث - حقير - منافق...) وغيرها من الصفات الدنيئة، وربما نسوا أو تناسوا أن ذلك الشخص المدعو شعباً كان يوصف قبيل الانقلاب بـ(الواعي - الشجاع - الشهم - العظيم...).

كما كان يحلو لبعضهم أيضاً مقارنة شعبهم المسكين هذا بآخر ساهم في إفشال انقلاب كاد أن ينجح بأدوات مشابهة، ومن الطريف أن تظهر تلك المقارنة في صورة ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيها "شعبهم" واضعاً بوطاً عسكرياً على رأسه، أما الآخر فيجلد ضابطاً بحزامه مؤدباً له على مشاركته في محاولة الانقلاب، تشبه تلك الصور في سذاجتها وسطحيتها الصور التي يرشدون بها الأطفال لضرورة غسل أسنانهم قبل النوم فيظهر على جانبها الأيمن طفلاً جميلاً مبتسماً ناصع الأسنان وتحتها علامة (صح)، وعلى جانبها الأيسر طفل آخر حزين يبكي من ألم أسنانه وتحتها علامة (خطأ) وتبدو عرضاً لحالة (الانفصام) التي أصابت بعضهم.

لكن كيف تحول ذلك "الشعب" من بطل ثائر سطر بدمائه إحدى أعظم الثورات الشعبية في التاريخ الحديث إلى "عبيد بيادة" يرهبهم العسكر بعصيهم ودروعهم، ومن "شعب" واع استطاع تجاوز "المؤامرات الكونية" واختار الحل "الثوري" في خمسة استحقاقات انتخابية إلى "شعب" متخلف جاهل يلهث وراء التحريض الإعلامي المغرض، ومن شعب كريم شهم يبذل الغالي والنفيس لبناء وطنه ومجده إلى ناكر للجميل والأيادي البيضاء التي لا يزال يرفل في نعيم صدقاتها؟!

الحقيقة أن الشعب كما هو لم يتغير، ولكن قصور إدراك القيادة السياسية حينها لحقائق كونية راسخة رسوخ الجبال هو الذي أوهمهم بهذا، وربما يرجع ذلك إلى جهل صانعي القرار منهم بعلوم النفس والاجتماع بالرغم من ادعائهم المستمر بعمق خبرتهم المترتبة على عشرات السنين التي قضوها في العمل المجتمعي التحتي، فأغلبهم من أصحاب الشهادات الأكاديمية الرفيعة في الهندسة والطب وعلوم الحيوان والنبات وليس فيهم صاحب شهادة في علوم الإنسان الذي أرادوا حكمه.

من تلك الحقائق الكونية التي ربما غابت عن أذهان صناع القرار حينها بالرغم من وجودها منذ عشرات السنين في كتب علم الاجتماع البدائية كـ(سيكولوجية الجماهير لجوستاف لوبون)، أن تلك الجماهير الغفيرة حين تثور ثورتها تكون تصرفاتها واقعة تحت تأثير النخاع الشوكي أكثر مما هي واقعة تحت تأثير المخ أو العقل؛ لذلك فهي تتأثر بشدة بالمحرضات الخارجية التي من الممكن أن تصيبها بشكل من أشكال الهلوسة ربما تعطل عندها غريزة حب البقاء فينتج عن ذلك أعمال يراها الناس بعد ذلك بطولية غاية في الجرأة.

وبما أن أغلب تلك الأعمال الثورية البطولية تقع غالباً تحت تأثير "اللاوعي" فسرعان ما ترغب الجماهير في العودة إلى سيرتها الأولى من الحياة اليومية الرتيبة وتسأم سريعاً من الفوضى التي خلفتها ثورتها، كما أنها تتأثر جداً بالتغييرات الشكلية للمؤسسات التي ثارت عليها في البداية دون التغييرات الجوهرية، فإن لم تتلقف قيادة الثورة الواعية نتائج تلك الموجة العارمة سريعاً وتحدث تغييرات جذرية فسيكون النصر حليف الثورات المضادة، خاصة حينما تطيل أمد الصراع وما يحدثه من معاناة.

الحقيقة الأخرى التي يتحدث عنها (لوبون) في كتابه هي تأثير العقائد والعادات والتقاليد على سلوك الجماهير، وأن تلك العقائد تحتاج إلى أحداث جسيمة وأزمنة مديدة لزعزعتها ومن ثم الثورة عليها، فلا يعقل أن تنعت مجموعة من البشر بأنهم "رجال مثل الذهب" أو "أنهم كانوا في القلب من ثورة يناير"، ثم تطالب الجماهير بأن تثور عليهم بعد أيام معدودات، أو تهتف بحرارة "الجيش والشعب يد واحدة" ثم بعدها بأشهر قليلة تهتف بنفس الحرارة "يسقط حكم العسكر" متوقعاً أن تتبعك الجماهير الغفيرة في الحالتين.

فـ"الشعب" لم يكن وغداً ولا بطلاً يوماً ما؛ لأن الشعوب أسيرة نخبتها ورهينة إشارة من يتولى قيادتها ويجيد تحريضها، ومن ثَم توجيهها، فمَن أراد أن يحكمها فليتعلم خصائصها ليَمتلك زمام أمورها، أما مَن أراد أن يسقط نقائصه عليها ويستر عورة فشله بمآسيها، فسيبوء بمصير ذلك الرجل الذي قاد أهله وعشيرته في صحراء قاحلة لم يكن يعلم عن دروبها شيئاً ولم يكن معه فيها دليلاً ولا "مرشداً".